124

وقد كان الحر هذا العام على أشده في شواطئ البحر الأبيض جميعها، فلم نشعر بوطأته الثقيلة حين تركنا الشواطئ وارتفعنا إلى هضاب رام الله أو «رام إيل» الفيحاء، ولكنني لم أندم على قضاء معظم أيامي في فلسطين بين الشواطئ، حيث تفرط الحرارة والرطوبة هذا العام على خلاف المألوف في السنوات الماضية؛ لأنني لمست فيها عن كثب ذلك الصراع العنيف الذي أحسبه أعجب صراع بين مدينتين متجاورتين في تاريخ المشرق، أو في تاريخ العالم بأسره، وهو الصراع بين مدينة يافا ومدينة تل أبيب ...

إن المدينتين متجاورتان تقيمان في مكان واحد، حتى ليبدأ الشارع أحيانا في يافا وينتهي في تل أبيب، ولكن السباق بينهما سباق بين أقدم ميناء على شواطئ بحر الروم وأحدث ميناء عليه ... أو لعله أحدث ميناء على جميع شواطئ البحار .

كانت «يافا» علما مشهورا في التاريخ القديم قبل نيف وثلاثين قرنا من الزمان ... وكانت «الإسكندرية» جنينا في الغيب يوم كان سوفكليس ويوربيدس وغيرهما من شعراء اليونان يتغنون بجمال «يافا»، وينسجون خيوط القصيد حول عروسها الفاتنة «أندروميد» التي ربطها الأرباب إلى صخرة الشاطئ عقابا لها على رفض البناء بخطابها السماويين! ثم ما زالت حتى نجا بها القدر من وحش البحر، وهو راصد لها ليغتالها ... فأصبحت بعد ذلك كوكبا من كواكب السماء ...

ولا نحسب أن مدينة في الشرق الأدنى عرض لها من تعاقب السعود والنحوس ما عرض لمدينة «يافا» في جميع الدول وعلى جميع العهود ...

فعمرت وخرجت مرات على أيدي البشر، وعلى أيدي الزلازل والجوائح الطبيعية، وصمدت للعراك بين الدول التي تداولتها من عهد تحوتمس وسنحاريب، إلى عهد العرب والصليبيين، إلى هذا العهد الذي لا يحسب في تاريخها من العهود الرخية الميمونة، وإن كنا لنرجو ألا يكون من أقسى العهود؛ لأنها قد صمدت في تجاربها الكثيرة لما هو أقسى، وأصرم من تجارب العهد الذي هي فيه الآن.

كانت «يافا» تعول في معيشتها على الزراعة وعلى الصناعة، وعلى الميناء، وما يدور حوله من حركة السفن وحركة البيع والشراء ...

فأصيبت في جميع هذه الموارد، ولا تزال مع هذا قائمة على قدميها تناضل نضالها المجيد في سبيل البقاء.

فالموالح والثمرات التي عرفت باسمها من قديم الزمن لا تلقى اليوم في الأسواق القريبة ذلك الترحيب الذي تعودت أن تلقاه إلى زمن غير بعيد.

والصناعة - وأهمها صناعة الجلود وصناعة الصابون - قد منيت بالمزاحمين الأقوياء في تل أبيب، وما وراء تل أبيب من بلدن الشرق الأدنى.

أما الميناء فقد تحول عنه أكثر السفن إلى ميناء حيفا الذي تنتهي إليه أنابيب البترول من آبار العراق، أو إلى ميناء تل أبيب الذي بناه مجلسها البلدي، ومد إلى جانبه ذلك «الكرنيش» الطويل محاكيا به كرنيش الإسكندرية في كل شيء ... حتى في «الأذرة الشامية» التي تشوى أو تسلق على زواياه ومنعطفاته، ويقبل عليها المتنزهون والمتنزهات إلى أواخر الليل!

अज्ञात पृष्ठ