हमयान ज़ाद
هميان الزاد إلى دار المعاد
بلى ولكن ليطمئن قلبى
فطلب مزيد الطمأنينة. { حقا } نعت لمصدر محذوف، أى إيمانا حقا أى ثابتا راسخا، أو مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة قبله، وذلك أن الخفية تعلم من مجرد إخبار الله، فيذكر لفظ حقا تأكيد وعامله محذوف، اى أحقه حقا من حق المتعدى بالهمزة، أو من حق المتعدى بنفسه. { لهم درجات } لكل واحد منهم درجات، أو لكل منهم درجة أى مرتبة بين الدرجتين سبعون سنة بإسراع الفرس المضمر، وفى الحديث " بينهما مائة عام " والواحدة تسع العالم وجملتهن سبعون، أو مائة والارتقاء بقدر الأعمال، والدخول فى الجنة بالإيمان وقسمة درجات الجنة إلى العددين المذكورين غير قسمة درجات الإنسان الواحد. { عند ربهم } أى فى الآخرة، وقيل الدرجات الكرامات، وعن مجاهد مبلغ أعمالهم فى الدنيا عند الله { ومغفرة } لذنوبهم { ورزق كريم } حسن واسع دائم وهو رزق الجنة.
[8.5]
{ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } قال ابن هشام ما حاصله أن أبا عبيدة قال الكاف حرف قسم، وما بمعنى الذى مستعملة فى العالم مثل { والسماء وما بناها } أى والذى أخرجك وهو الله، وأن رابط الصلة ربك، وأن الكلام راجع إلى قوله { الأنفال لله والرسول } ويرده أن الكاف لم تجئ بمعنى واو القسم، وأن ربط الموصول بالظاهر بابه الشعر، وأن قوله { كما أخرجك } بعيد المسافة عن قوله { الأنفال لله وللرسول } فإنه يقول { الأنفال لله والرسول } دليل جواب القسم. وقيل عنه إن الدليل لهم درجات ومغفرة ورزق كريم، وروى عنه أن الجواب يجادلونك، ويرده عدم توكيده، وأن ابن الشجرى شنع على مكى فى حكاية هذا القول وسكوته عنه، فلو أن قائلا قال كالله لأفعلن لاستحق أن يبصق فى وجهه، وأنه قيل الكاف اسم بمعنى مثل مبتدأ خبره فاتقوا الله، ويرده اقترانه بالفاء، وخلوه من رابط، وتباعد ما بينهما، وأنه قيل نعت مصدر محذوف، أى يجادلونك فى الحق الذى هو إخراجك من بيتك جدالا مثل جدال إخراجك، وما مصدرية. ويرده أن فيه تشبيه الشئ بنفسه، وأنه قال الزجاج والطبرى نعت مصدر محذوف تقديره الأنفال ثابتة لله والرسول، مع كراهتهم ثبوتا مثل إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون، وأنه قال الأخفش نعت لحقا، ويسهله تقاربهما وتقييد الإخراج للحق، وزعم بعض أن المعنى لا يتناسق على هذا، وأنه قيل خبر لمحذوف وهو أقرب من الذى قبله، أى هذه الحالة التى من تفنيد الغزاة كحال إخراجك للحرب فى الكراهية. اه بتصرف. وقال الفراء متعلق بمحذوف تقديره امض لأمر ربك فى الغنائم، ونفل من شئت وإن كرهوا كما أخرجك ربك وهم كارهون، أى ففى ذلك الخيرة فى الإخراج، فهو متعلق بامض، أو نفل ومعناه على، وعلقه الكسائى ومجاهد بيجادلونك، والجدال كراهة، وقيل نعت لخبر لمحذوف، أى هذا المذكور من أن لهم درجات ومغفرة ورزقا كريما بما وعد حق، كما أخرجك، وقيل المعنى وأصلحوا ذات بينكم، ذلك خير لكم كما أخرجك، وقال عكرمة أطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، كما أخرجك ربك، أى الطاعة خير لكم كما كان الإخراج خيرا لكم، وقيل متعلق بما تعلق به لهم، وقيل الكاف اسم بمعنى إذا، أى واذكر يا محمد وهو باطل، وأولى الأقوال خامسها وساسها والبيت بيته بالمدينة، أو هو المدينة نفسها لأنها مهاجرة ومسكنة، وذلك قول الجمهور باحتماليه، وقال بعضهم بيته بمكة أو مكة نفسه وهو قول يونس بن بكير، وبالحق متعلق بأخرج أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف، أى إخراجا ملتبسا بالحق. { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } للقتال أو لخروجك إليه، وذلك لقلة المؤمنين وسلاحهم، وعدم تأهبهم وما كان فيهم إلا فارسان، وقي ثلاثة، وكثرة العدو وسلاحهم، وهذا على أنه خرج من بيته بنية الجهاد، والجملة حال من ربك، أو من كاف أخرجك، والذى عندى أن الجملة مستأنفة لا حال، إلا إن جعلت مقدرة، وأن كراهيتهم للقتال بعد الخروج لا قبله أو عنده كما تراه فى القصة إن شاء الله.
[8.6]
{ يجادلونك } أى ذلك الفريق { فى الحق } الذى هو إيثارك الجهاد عن تلقى الغير عكس ما يريدون، أو فى إظهار الحق الذى هو الإسلام بالجهاد { بعد ما تبين } وقرأ ابن مسعود بين للبناء للمفعول وإسقاط التاء { لهم } ما اسم أى بعد الذى تبين لهم، وأنهم ينصرون، سواء توجهوا للعير أو للقتال، ولا يخفى أن القتال الموعود بالنصر فيه أولى أو مصدرية ففى تبين ضمير الحق. { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } يشاهدون أسبابه كمن جر إلى إنسان يذبحه، وقد رأى فى يده الموسى، بالغوا فى الجدال كراهة للقتال ككراهة المسوق للموت المشاهد لأسبابه، ودل ذلك على أن جدالهم لشدة فزعهم ورعبهم، وجملة هم ينظرون حال من الواو، وقيل إن ذلك فى المشركين، يجادلون النبى صلى الله عليه وسلم فى الإسلام بعد ما ظهر بدلائله، كأنما يساقون حين يؤمرون به إلى الموت وهم ينظرون.
[8.7]
{ و } اذكروا { إذ يعدكم } وقرأ مسلمة بن محارب بإسكان دال يعدكم، قال أبو الفتح لتوالى الحركات { الله إحدى } وقرأ ابن محيصن بوصل همزة إحدى فيما ذكر عنه، ولا وجه له، ولعله لم يكن الهمزة فتوهم الراوى أنه وصلها { الطائفتين } طائفة أبى سفيان مع العير، وطائفة أبى جهل مع النفير { أنها لكم } بدل اشتمال من المفعول الثانى وهو أحدى. قال عبد الرحمن الثعالبى فى الأنوار فى آيات النبى المختار، عن ابن عباس لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من الشام، ندب المسلمين إليهم وقال " هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها " فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز بتجسس الأخبار، ويسأل من لقى من الركبان تخوفا، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا استنفر أصحابه إليك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى إلى مكة يستنفر قريشا إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها فى أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة . وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فقالت لأخيها العباس يا أخى والله لقد رأيت رؤيا أفزعتنى وخفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عنى ما أحدثك، فقال لها وما رأيت؟ قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم فى ثلاث، فاجتمع الناس إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر أبى قيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوى حتى كانت بأسفل الجبل ارفصت، فما بقى بيت ولا دار بمكة إلا دخلتها فلقة منها، قال العباس والله إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس، فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه فغشى الحديث حتى تحدثت به قريش، قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل فى رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآنى أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست فقال لى يا بنى عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قلت وما ذاك؟ قال تلك الرؤيا التى رأت عاتكة، فقلت وما رأت؟ فقال يا بنى عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة فى رؤياها أنه قال انفروا فى ثلاث فستنربص بكم هذه الثلاث، فإن يكن حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب.
قال العباس فوالله ما كان منى إليه كبير إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك شئ غير لشئ أما سمعت؟ قلت قد والله فعلت، ما كان منى إليه كبير، وايم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفيكنه. فغدوت فى اليوم الثالث من رؤى عاتكة وأنا حديد مغضب، أرى أنى قد فاتنى منه أمر أحب أن أدركه، قال فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إنى لأمشى نحوه أتعرض له ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد فقلت فى نفسى ما له لعنه الله أكل هذا فرقا منى أن أشاتمه، فإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفارى يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره، قد جدع بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أى مال التجارة أموالكم مع أبى سفيان عرض لها محمد فى أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فشغلنى عنه وشغله عنى ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا وقالوا يظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمى، والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين خارج وباعث مكانه رجلا، ولم يتخلف من أشرافهم أحد إلا أبو لهب، بعث مكانه العاصى ابن هشام. ولما فرغوا من جهازهم، ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد منات فخافوهم أن يأتوهم من خلفهم، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدا لهم إبليس فى صورة سراقة بن مالك ابن جشعم، وكان من أشراف كنانة فقال أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه، فخرجوا سراعا. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لثمانى ليال خلون من شهر رمضان فى أصحابه، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أبيض، وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع على والأخرى مع بعض الأنصار، وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار، وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ، فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه من المدينة إلى مكة، حتى إذا كان قريبا من الصفراء، وهى قرية بين جبلين، أحس به أبو سفيان، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا بيسار، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران ثم نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش.
فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه وقال وأحسن، ثم قام عمر رضى الله عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت منا عين تطرف، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال المقداد فو الذى بعثك بالحق نبيا لو سرت بنا إلى برك الغماد لجادلنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، دعا له به. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أشيروا على " وإنما يريد الأنصار، فقال له سعد بن معاذ، وقيل سعد بن عبادة بناء على أنه حضر بدرا ولعلهما جميعا تكلما والله لكأنك إبانا تريد يا رسول الله، قال " أجل " قال فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أنما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر فى الحرب، صدق فى اللقاء، لعل الله يريك فينا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك. ثم قال " سيروا وأبشروا فإن الله سبحانه قد وعدنى إحدى الطائفتين والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم " ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذا فران حتى نزل قريبا من بدر، فركب هو صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله عنه حتى وقفا على شيخ من العرب فسألاه عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبرانى ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أخبرتنا أخبرناك " فقال وذاك بذاك؟ قال " نعم " قال الشيخ فإنه بلغنى أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدقنى الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى فيه جند رسول الله صلى الله عليه سلم، وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذى أخبرنى صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به قريش، فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما؟ فقال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نحن من ماء " ثم انصرفنا عنه، قال يقول الشيخ ما ماء من ماء العراق.
अज्ञात पृष्ठ