हमयान ज़ाद
هميان الزاد إلى دار المعاد
فسماهم سفهاء، فهذا تجهيل لهم يلزم منه أنه قد نهاهم فبطل قول القاضى أنه لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجعلهم ويزيح شبهتهم، وقد أزاحها كما يأتى الآن، أو طلبها ليجاب بنفيها ردعا لقوله، وإزاحة لشبهتهم إذ قالوا لا نؤمن إلا إن رأينا الله، وألحوا على الرؤية بعد ما أنكر عليهم وقال { أرنى أنظر إليك } دون أرهم ينظرون إليك، مع أنهم الطالبون لها، لأنها إذا منعت منه فهم أولى بمنعها، ولأن ما خوطب به رسول الله خطاب لأمته، فلن ترانى بمنزلة لن ترونى، ولن لتأكيد النفى وتأبيده فى المستقبل كما قال الربيع بن حبيب، وكما قال جار الله وبعض المرجئة فنفى رؤيته موبد دنيا وأخرى، أو تأبيده فى الدنيا بلن، وفى الآخرة بدلائل أخرى قد مرت وهى دلائل على نفيها فى الدنيا كما علمت. وإن قلت لو كانت للتأبيد لما قال الله فى اليهود { ولن يتمنوه } أى الموت { أبدا } لأنهم قد تمنوه، إذ قالوا كغيرهم فى الآخرة
يا مالك ليقض علينا ربك
و
يا ليتها كانت القاضية
قلت التأبيد فى كل شىء بحسبه، فتأبيد لن فى شأن اليهود فى نفى تمنى الموت فى الدنيا، لأن الكلام فيه، ولأنه فى عدة تمليهم معجزة، ولئن سلمنا ما قلت فلتكن لفظة أبدا لا تفيد التأبيد، لأنها مذكورة فى الآية، ولأنا نقول بتأبيد النفى بلن عند عدم القرينة، وتمنى الموت فى الآخرة موجود نصا، فلا يرد علينا
فلن أكلم اليوم إنسيا
لوجود قرينة هى اليوم فبطل قول ابن هشام لو كانت للنفى التأبيدى لم يقيد منفيها باليوم، قال لو كانت للتأبيد لكان ذكر الأبد فى
ولن يتمنوه أبدا
تكرارا، والأصل عدمه. قلنا إن أراد بالتكرار التأكيد فالقرآن مشحون به، وهو المطلوب فى مثل هذه الآية، فهو أول مما هو أصل، وكم موضع التأكيد فيه أبلغ مع أن أبدا إن كان تأكيدا فتأكيده لبعض معنى لن، وهو التأبيد لجملة، وإن أراد بالتكرار الإعادة فليس تكرارا باللفظ لمخالفة لفظ أبدا للفظ لن، ولا بالمرادف لأن الاسم لا يرادف الحرف، ولأن التأبيد معنى مطابق الابد، ومعنى تضمنى للن لأن معناها المطابق مجموع التأبيد والنفى المؤكد والاستقبال . قال السعد العقل إذا خلى ونفسه لم يحكم بامتناع رؤيته ما لم يقم له برهان على ذلك، مع أن الأصل عدمه، ومن ادعى الامتناع فعليه البيان، قلنا لا يحكم العقل بجواز الرؤية فإنها مشروطة بكون المرئى فى مكان وجهة ومقابلة من الرأى، وثبوت مسافة بينهما بحيث لا يكون فى غاية من القرب، ولا فى غاية البعد، واتصال شعاع من الباصرة بالمرئى، وكل ذلك مع ما يلزم عليه مما مر حال فى حق الله، وإن قيل يرى لا فى مكان ولا وجهة من مقابلة واتصال شعاع أو ثبوت مسافة بين الرائى والله تعالى. قلنا هذا إما مناقض لإثبات الرؤية، وإما تحول إلى الرؤية العلمية، أما العلم بحقيقته فليس فى طاقة الخلق، وأما بوجوده وسائر صفاته فمسلم صحيح، وإن قالوا إنا قاطعون برؤية الأعيان والأعراض ضرورة أنا نفرق بالبصر بين جسم وجسم، وعرض وعرض، ولا بد للحكم المشترك من علة مشتركة وهى إما الوجود أو الحدوث أو الإمكان، إذ لا رابع مشترك بينهما، والحدوث عبارة عن الوجود بعد العدم والإمكان عن عدم ضرورة الوجود والعدم، ولا مدخل للعدم فى العلية، فتعين الوجود وهو مشترك بين الصانع وغيره، فيصح أن يرى من حيث تحقق علة الصحة وهى الوجود. قلنا إن أريد الفرق برؤية البصر فمصادرة، أو باستعمال البصر فلا يفيد، لأنا نفرق مثلا بين الأعمى والأقطع بالبصر، والفرق بمدخل من البصر لا يقتضى كون المغروق مبصرا، ولا نسلم أيضا أنه لا رابع مشترك بينهما، فإن وجوب الوجود بالغير والمقابلة، بل الأمور العامة كالماهية والمعلومية والمذكورية أمور مشتركة بينهما، ولا يقال الأمور العامة تستلزم صحة رؤية الواجب، ولا ضرر فى النقص بها على أنها تقتضى صحة رؤية المعدوم، لأنا نقول يجوز أن تشترط بشىء من خواص الموجود الممكن، ولا نسلم أن الوجود علة الرؤية كما مر سلمناه، لكن فيما نشاهد من جسم وعرض، ولا نقيس عليهما ما ليس جسما ولا عرضا، ويلزم رؤية كل موجود كالكلام والشم كما مر.
وإن قيل إنما لم ير الكلام والشم ونحوهما، لأن الله سبحانه لم يخلق فى العبد رؤيتها، لا لامتناع رؤيتها قلنا هى أعراض خلقها الله على كيفية لا ترى لا على كيفية ترى، ومنعها عن أن ترى أو منع الأبصار عن أن تراها، وعلى كل حال فليست رؤيته ممكنة لآرائها إلى محال وهو تحيزه، وما يؤدى إلى محال، فالتحيز استحالته عن واجب الوجود، مانعة عن رؤيته، وأيضا الصحة عدمية فلا تستدعى علة، ولو سلم فالواحد النوعى قد يعلل بالمختلفات، وكالحرارة بالشمس والنار، فلا يستدعى علة مشتركة ولو سلم، فالعدمى يصلح علة للعدمى ولو سلم، فلا نسلم اشتراك الوجود. وإن قيل المراد بالعلة متعلق الرؤية، والقابل لها، وهو وجودى تعالى. قلنا ليس يقابل لها لأدائها إلى التحيز المستحيل، وإلى الجسمية والعرضية، وإن قيل لا تلزمان لأنا أول ما نرى شبحا من بعيد، إنما ندرك منه هوية ما دون خصوصية جسمية أو عرضية أو إنسان أو فرسية ونحو ذلك، وبعد رؤيته برؤية واحدة متعلقة بهويته، قد تقدر على تفصيله إلى ما فيه من جواهر وأعراض، وقد لا نقدر، فمتعلق الرؤية هو كون الشىء له هوية ما، وهو المعنى بالوجود، واشتراكه ضرورى. قلنا حاصل هذا الكلام هو أن متعلق الرؤية أمر مشترك فى الواقع، وهو لا يدفع الاعتراض، ويستلزم استدراك التعرض لأجل رؤية الجسم والعرض، ولاشتراك الصحة بينهما، والاشتراك فى المعلوم لا يستلزم الاشتراك فى العلة، وأيضا إذا رأيت شبحا من بعيد أيقنت أنه إما جسم أو عرض، ونفى هذا مكابرة، وأيضا مفهوم الهوية المطلقة أمر اعتبارى، كيف تتعلق بها الرؤية، بل المرئى خصوصية الموجود، فلعل تلك الخصوصية لا مدخل لها فى تعلق الرؤية، وأيضا ذلك الدليل منقوض بصحة الملموس، وأيضا يجوز أن يكون متعلق هو الجسمية وما يتبعها من الأعراض من غير اعتبار خصوصية، تعالى الله عن الجسمية والعرضية، وقد علق الله رؤيته باستقرار الجبل، واستقراره ولو كان ممكنا فى الجملة ويطمع فيه إنسان لكن بعد إخبار الله أنه جعل دكا كان محالا، وما علق بالحال محال، وذلك كحياة زيد غدا فإنها ممكنة، وإن جاء الوحى بأنه يموت قبل الغد علمناها محالا، ولسنا نحتاج إلى أن نقول المعلق عليه استقرار الجبل حال تحركه وهو محال، فضلا عن أن يرد علينا أن ذلك خلاف الظاهر.
अज्ञात पृष्ठ