في شهر مايو من سنة 1896 هجم أحدهم على المغفور له شاه العجم ففتك به برصاصة أصابته فذهبت بآمال الأعجام، ونشرت جميع جرائد العالم خبر هذا المقتل الفظيع، إلا جرائد بيروت فإنها نشرت الخبر كما يأتي:
ورد قبيل عصر أمس نبأ برقي رسمي ينعي المرحوم المغفور له ناصر الدين خان شاه إيران المعظم، فنكست قناصل الدول أعلامها وأسف القوم على هذا المصاب الجلل.
وقد ذكرنا في عدد سابق أنهم كانوا في بلاد فارس يستعدون استعدادا عظيما للاحتفال بعيد جلوسه للسنة الخمسين في السادس من هذا الشهر، فوافاه القدر المحتوم فجأة في وسط ذلك الاستعداد قبيل حلول العيد بيومين أو ثلاثة. رحمه الله وجعل الجنة مثواه. (18) مالوك وليس ملوك
قدم بيروت أحد أفراد عائلة ملوك الشهيرة في مدينة بعلبك، وأظن أن اسمه يوسف أفندي، بعد أن قضى مدة في أستراليا، فكتبت أن قد حضر إلى بيروت حضرة الوجيه يوسف أفندي ملوك، فما كان من المكتوبجي إلا أن حذف اللقب فأصبح الاسم يوسف أفندي، قلت له: إن في سوريا مائة ألف يوسف، قال: إن الملوك لا يكونون في بعلبك، قلت: إن الرجل ليس ملكا ولكن اسمه ملوك بتشديد اللام وأنا أضع الشدة على اللام، قال: إنها تفقد في الطبع، فاضطرني الأمر إلى نشر الاسم هكذا: «حضرة الوجيه يوسف أفندي مالوك»، وإذ ذاك سمح سعادته بنشر الاسم. (19) المأمون والمكتوبجي
كنت أرسل المسودة في عهد حسن فائز أفندي مكتوبجي بيروت السابق الساعة الواحدة بعد الظهر، فيعيدها إلي الساعة الرابعة وقد حذف منها 6 أعمدة لم يجدها موافقة لذوقه اللطيف، فحدث ذات يوم أنني استبدلت المقالات المحذوفة بمقالات كنت قد أعددتها استعدادا لمثل هذا الاستبداد، وبقي علي أن أملأ فسحة عمود والبريد على وشك أن يسافر، فنقلت إلى الجريدة قصة من نوادر الخليفة المأمون أخذتها بحروفها من كتاب «إعلام الناس فيما جرى للبرامكة مع بني العباس» ظنا مني أنها أمينة من شره، وأخذت المسودة إليه هذه المرة بنفسي، فحذف قصة المأمون. قلت: لماذا؟ قال: هذه أحاديث خلافة مرت عليها الأعوام ولا نريد إعادة ذكرها على الأسماع. قلت: ارحمني يرحمك الله إذ يستحيل علي إصدار الجريدة اليوم إذا تم الحذف. قال: أشفق عليك إذن، وسمح بإثبات القصة بعد أن أصلح فيها ما يأتي:
استبدل كلمة أمير المؤمنين بالحاكم، والخليفة كذلك، والأعرابي بالرجل، وحذف اسم المأمون من كل المقالة واستبدله ب «أحد الحكام»، وهكذا نشرت المقالة. (20) كلام بدون معنى
فلما رأيت أنه يحذف كل مقالة مفيدة ذات معنى، أردت أن أمتحن درجة فهمه ومبلغ التضييق، فكتبت مقالة سياسية تحت عنوان «الأحوال الحاضرة» في صدر الجريدة، قلت فيها ما يأتي:
قد عم السلم الأرض قاطبة وقام الملوك والوزراء يعلنون مقاصدهم السلمية، فذهب حشمتلو الإمبراطور كارنو الثالث قيصر روسيا إلى أميركا وألقى هناك خطبة لا تختلف في لهجتها السلمية عن الخطبة التي ألقاها المستر بسمارك رئيس وزارة إنكلترا في شيلي. قال فيها إنه تم عقد التحالف مع حضرة الإمبراطورة أوجيني ملكة فرنسا والأرشيدوق رودلف إمبراطور البرازيل، على ضم إمبراطورية سويسرا إلى جمهورية ألمانيا، والاتفاق على مد خط حديدي تحت بحر البلطيق يساعد على تسهيل التجارة بين أفريقيا والقوقاس، وهكذا فالعالم السياسي اليوم في راحة تامة ...» إلى آخر ما هناك من الخلط والمبالغة، فصادق المكتوبجي عليها وذيلها باسمه الكريم مع كلمة «كورلمشدر»، وطبعت في «لسان الحال» وانتشرت بين الناس كما يذكر كل من قرأها من الأدباء.
ومعلوم أن كارنو كان رئيسا لجمهورية فرنسا ولم يخرج من فرنسا مطلقا، والبرنس بسمارك كان في ألمانيا ولا علاقة له بوزارة إنكلترا ولم ير بعينه بلاد شيلي، والإمبراطورة أوجيني منفية من بلادها والإمبراطورية ملغاة من فرنسا، كما أن الأرشيدوق رودلف كان قد مات منتحرا، والبرازيل صارت جمهورية، وسويسرا جمهورية، وألمانيا إمبراطورية، وبحر البلطيق يبعد عن أفريقيا قدر ما يبعد العقل عن رأس حضرة المكتوبجي، ومع ذلك سمح بنشرها. (21) الجمهور
إن محرر الجريدة في بيروت لا يجوز له أن يذكر كلمة جمهور بل يجب أن يقول الشعب أو القوم، وفي الإعلانات يقال عادة: «نعلن لحضرة الجمهور»، فيحذفها المكتوبجي ويضع محلها القوم؛ وذلك خوفا من اشتغال أفكار القراء بالجمهورية والميل إليها. (22) أيها الغلاطيون الأغبياء
अज्ञात पृष्ठ