मक्की विजय
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
प्रकाशक
دار إحياء التراث العربي
संस्करण
الأولى
प्रकाशन वर्ष
1418هـ- 1998م
प्रकाशक स्थान
لبنان
غسل الجمعة واجب على كل محتلم عندنا وهو لليوم وإن اغتسل فيه للصلاة فهو أفضل أما الغسل يوم الجمعة فالجماعة على أنه سنة وقوم قالوا إنه فرض وبه أقول والقائلون بوجوبه منهم من قال إنه واجب لليوم وهو قولنا وإن اغتسل قبل الصلاة للصلاة فهو أفضل ومنهم من قال إنه واجب قبل صلاة الجمعة وصل الاعتبار في ذلك الطهارة العامة لباطن الإنسان الذي هو قلبه بالحياة الباطنة للمعرفة بالله التي فيها وبها حياة القلوب من حيث ما تعطيها صلاة الجمعة من جهة إنه سبحانه واضع لهذه العبادة الخاصة بهذه الصورة فإنه من أعظم الهداية التي هدى الله إليها هذه الأمة خاصة فإنه اليوم الذي اختلفوا فيه فهدى الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه وذلك أن الله اصطفى من كل جنس نوعا ومن كل نوع شخصا واختاره عناية منه بذلك المختار أو عناية بالغير بسببه وقد يختار من الجنس النوعين والثلاثة وقد يختار من النوع الشخصين والثلاثة والأكثر فاختار من النوع الإنساني المؤمنين واختار من المؤمنين الأولياء واختار من الأولياء الأنبياء واختار من الأنبياء الرسل وفضل الرسل بعضهم على بعض ولولا ورود النهي من الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله لا تفضلوا بين الأنبياء لعينت من هو أفضل الرسل لكن أعلمنا الله أنه فضل بعضهم على بعض فمن وجد نصا متواترا فليقف عنده أو كشفا محققا عنده ومن كان عنده الخبر الواحد الصحيح فليحكم به إن تعلق حكمه بأفعال الدنيا وإن كان حكمه في الآخرة فلا يجعله في عقده على التعيين وليقل إن كان هذا عن الرسول في نفس الأمر كما وصل إلينا فأنا مؤمن به وبكل ما هو من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الله مما علمت ونمما لم أعلم فإنه لا ينبغي أن يجعل في العقائد إلا ما يقطع به إن كان من النقل فما ثبت بالتواتر وإن كان من العقل فما ثبت بالدليل العقلي ما لم يقدح فيه نص متواتر فإن قدح فيه نص متواتر لار يمكن الجمع بينهما اعتقد النص وترك الدليل والسبب في ذلك أن الإيمان بالأمور الواردة لعى لسان الشرع لا يلزم منها أن يكون الأمر الوارد في نفسه على ما يعطيه الإيمان فيعلم العاقل إن الله قد أراد من المكلف أن يؤمن بما جاء به هذا النص المتواتر الذي أفاده التواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وإن خالف دليل العقل فيبقى على علمه من حيث ما هو علم ويعلم أن الله لم يرد به بوجود هذا النص أن يعلق الإيمان بذلك المعلوم لا أنه يزول عن علمه ويؤمن بهذا النص على مراد الله به فإن أعلمه الحق في كشفه ما هو المراد بذلك النص القادح في معلومه آمن به في موضعه الذي عنيه الحق له بالنظر إلى من هو المخصوص بذلك الخطاب ومثل هذا الكشف يحرم علينا إظهاره في العامة لما يؤدي إليه من التشويش فلنشكر الله على ما منحه فهذه مقدمة نافعة في الطريق ولما اختص الله من الشهور شهر رمضان وسماه باسمه تعالى فإن من أسماء الله رمضان كذلك اختص الله من أيام الأسبوع يوم العروبة وهو يوم الجمعة وعرف الأمم أن لله يوما اختصه من هذه السبعة الأيام وشرفه على سائر أيام الأسبوع ولهذا يغلط من يفضل بينه وبين يوم عرفة ويوم عاشوراء فإن فضل ذلك يرجع إلى مجموع أيام السنة لا إلى أيام الأسبوع ولهذا قد يكون يوم عرفة يوم الجمعة ويوم عاشوراء يوم الجمعة ويوم الجمعة لا يتبدل لا يكون أبدا يوم السبت ولا غيره ففضل يوم الجمعة ذاتي لعينه وفضل يوم عرفة وعاشوراء لأمور عرضت إذا وجدت في أي يوم كان من أيام الأسبوع كان الفضل لذلك اليوم لهذه الأحوال العوارض فتدخل مفاضلة عرفة وعاشوراء في المفاضلة بين الأسباب العارضة الموجبة للفضل في ذلك النوع كما أن رمضان إنما فضله على سائر الشهور في الشهور القمرية لا في الشهور الشمسية فإن أفضل الشهور الشمسية يوم تكون الشمس في برج شرفها وقد يأتي شهر رمضان في كل شهور السنة الشمسية فيشرف ذلك الشهر الشمسي على سائر شهور الشمس بكون رمضان كان فيه وكونه فيه أمر عرض له في سيره فلا يفاضل يوم الجمعة بيوم عرفة ولا غيره ولهذا شرع الغسل فيه لليوم لا لنفس الصلاة فإن اتفق أن يغتسل في ذلك اليوم لصلاة الجمعة فلا خلاف بيننا إنه أفضل بلا شك وأرفع للخلاف الواقع بين العلماء فلما ذكر الله شرف هذا اليوم للأمم ولم يعينه وكلهم الله في العلم به لاجتهادهم فاختلفوا فيه فقالت النصارى أفضل الأيام والله أعلم هو يوم الأحد لأنه يوم الشمس وهو أول يوم خلق الله فيه السموات والأرض وما بينهما فما ابتدأ فيه الخلق إلا لشرفه على سائر الأيام فاتخذته عيدا وقالت هذا هو اليوم الذي أراده الله ولم يقل لهم نبيهم في ذلك شيأ ولا علم الناهل أعلم الله نبيهم بذلك أم لا فإنه ما ورد بذلك خبر وقالت اليهود بل ذلك يوم السبت فإن الله فرغ من الخلق في يوم العروبة واستراح يوم السبت واستلقى على ظهره ووضع إحدى رجليه على الأخرى وقال أنا الملك قال الله تعالى في مقابلة هذا الكلام وأمثاله ' وما قدروا الله حق قدره ' وتزعم اليهود أن هذا مما نزل في التوراة فلا نصدقهم في ذلك ولا نكذبهم فقالت اليهود يوم السبت هو اليوم الذي أراده الله بأنه أفضل أيام الأسبوع فاختلفت اليهود والنصارى وجاءت هذه الأمة فجاء جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم بيوم الجمعة في صورة مرآة مجلوة فيها نكتة فقال له هذا يوم الجمعة وهذه النكتة ساعة فيه لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي إلا غفر الله له فقول النبي صلى الله عليه وسلم فهدانا الله لما اختلف فيه أهل الكتاب هو هذا التعريف الإلهي بالمرآة وأضاف الهداية إلى الله وسبب فضله أنه اليوم الذي خلق الله فيه هذه النشأة الإنسانية التي خلق المخلوقات من يوم الأحد إلى يوم الخميس من أجلها فلا بد أن يكون أفضل الأوقات وكان خلقه في تلك الساعة التي ظهرت نكتة في المرآة ولما ظهرت نكتة في المرآة دل ضرب المثل أنها لا تنتقل كما لا تنتقل تلك النكتة التي في المرآة فهي ساعة معينة في علم الله فإن راعينا ضرب ذلك المثل في الحس ولا بد قلنا إن الساعة لا تنتقل كما لا تنتقل في الحس وإن راعينا ضرب المثل بها في الخيال ولا نخرجه بالحمل إلى الحس قلنا تنتقل الساعة في اليوم فإن حكم الخيال للانتقال في الصورة لأنه ليس هو بمحسوس فينضبط وإنما هو معنى في صورة جسدية خيالية تشبه صورة حسية وكما أن المعنى الواحد ينتقل في صور ألفاظ كثيرة ولغات مختلفة في زمان واحد أشبه الخيال فتنتقل الساعة في يوم الجمعة وكلا الأمرين سائغ في ذلك ولا يعرف ذلك إلا بإعلام الله وهذه الساعة في يوم الجمعة كليلة القدر في السنة سواء قال تعالى في هذا اليوم أعني في شأنه كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه هذه الآية نزلت في الاختلاف في هذا اليوم فغسل يوم الجمعة من هذا الاختلاف حتى يكون على يقين في طهارته بما كشف الله عن بصيرته وهو علم الساعة التي في هذا اليوم فإن اليوم كان مبهما ثم إن الله عرفنا به على لسان رسوله وبقي الإبهام في الساعة التي فيه فمن علمها في كل جمعة إن كانت تنتقل أو علمها في وقتها المعين إن كانت لا تنتقل فقد صح غسله يوم الجمعة من هذا الجهل الذي كان فيه بها ولهذا ينبغي أن يكون الغسل لليوم فإنه أعم .
وصل في فصل وجوب الجمعة على من خارج المصر
اختلف الناس في وجوب الجمعة على من خارج المصر فمن قائل لا تجب الجمعة على من خارج المصر ومن قائل أنها تجب على من هو خارج المصر واختلفوا في قدر المسافة فمنهم من قال مسيرة يوم وهو قول شاذ ومنهم من قال ثلاثة أميال ومنهم من قال أن يكون على مسافة يسمع منها النداء غالبا والذي أقول به إذا كان الإنسان على مسافة بحيث أنه إذا سمع النداء يقوم للطهارة فيتطهر ثم يخرج إلى المسجد ويمشي بالسكينة والوقار فإذا وصل وأدرك الصلاة وجبت عليه الجمعة فإن علم أنه لا يلحق الصلاة فلا تجب عليه لأنه ليس بمأمور بالسعي إليها إلا بعد النداء وأما قبل النداء فلا وصل الاعتبار في ذلك الخارج عن الموطن الذي تعطيه معرفة الحق من حيث ما هو آمر بها من دليل من عرف نفسه عرف ربه وهو الارتباط بالمعرفتين فلا يخلو أن يكون خروجه إلى معرفة ربه من حيث ما هو واجب الوجود أو يكون خارجا إلى حضرة الحيرة والوقوف أو الكثرة فإن كان خارجا إلى حكم معرفة كونه واجب الوجود لنفسه لا تجب عليه الجمعة وإن كان خروجه إلى ما سوى هذا وجبت عليه الجمعة بلا شك .
पृष्ठ 571