मक्की विजय
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
प्रकाशक
دار إحياء التراث العربي
संस्करण
الأولى
प्रकाशन वर्ष
1418هـ- 1998م
प्रकाशक स्थान
لبنان
فصالح العمل المشروع يظهرها . . . نورا ومن ذاته تالإجلال يكسبها اعلم أيدنا الله وإياك أن الجنة جنتان جنة محسوسة وجنة معنوية والعقل يعقلهما معا كما أن العالم عالمان عالم لطيف وعالم كثيف وعالم غيب وعالم شهادة والنفس الناطقة المخاطبة المكلفة لها نعيم بما تحمله من العلوم والمعارف من طريق نظرها وفكرها وما وصلت إليه من ذلك بالأدلة العقلية ونعيم بما تحمله من اللذات والشهوات مما يناله بالنفس الحيوانية من طريق قواها الحسية من أكل وشرب ونكاح ولباس وروائح ونغمات طيبة تتعلق بها الأسماع وجمال حي في صورة حسنة معشوقة يعطيها البصر في نساء كاعبات ووجوه حسان وألوان متنوعة وأشجار وأنهار كل ذلك تنقله الحواس إلى النفس الناطقة فتلتذ به من جهة طبيعتها ولو لم يلتذ به إلا الروح الحساس الحيواني لا النفس الناطقة لكان الحيوان يلتذ بالوجه الجميل من المرأة المستحسنة والغلام والحسن الوجه والألوان والمصاغ فلما لم نر شيئا من الحيوان يلتذ بشيء من ذلك علمنا قطعا أن النفس الناطقة هي التي تلتذ بجميع ما تعطيه القوة الحسية مما تشاركها في إدراطه الحيوانات ومما لا تشاركها فيه واعلم أن الله خلق هذه الجنة المحسوسة من الفرح الإلهي من صفة الكمال والإبتهاج والسرور فكانت الجنة المحسوسة كالجسم والجنة المعقولة كالروح وقواه ولهذا سماها الحق تعالى الدار الحيوان لحياتها فأهلها يتنعمون فيها حسا ومعنى فالمعنى الذي هو اللطيفة الإنسانية والجنة أيضا أشد تنعما بأهلها الداخلين فيها ولهذا تطلب ملأها من الساكنين وقد ورد في خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الجنة اشتاقت إلى بلال وعلي وعمار وسلمان فوصفها بالشوق إلى هؤلاء وما أحسن موافقة هذه الأسماء لما في شوقها من المعاني فإن الشوق من المشتاق فيه ضرب ألم لطلب اللقاء وبلال من أبل الرجل من مرضه واستبل ويقال بل الرجل من دائه وبلال معناه وسلمان من السلامة من الآلام والأمراض وعمار أي بعمارتها بأهلها يزول ألمها فإن الله سبحانه يتجلى لعباده فيها فعلي يعلو بذلك التجلي شأنها على النار التي هي أختها حيث فازت بدرجة التجلي والرؤية إذ كانت النار دار حجاب فانظر في موافقة هذه الأسماء الأربعة لصورة حال الجنة حين وصفها بالشوق إلى هؤلاء الأصحاب من المؤمنين والناس على أربع مراتب في هذه المسئلة فمنهم من يشتهي تويشتهي وهم الأكابر من رجال الله من رسول ونبي وولي كامل ومنهم من يشتهي ولا يشتهي وهم أصحاب الأحوال من رجال الله المهيمون في جلال الله الذين غلب معناهم على حسهم وهم دون الطبقة الأولى فإنهم أصحاب أحوال ومنهم من يشتهي ولا يشتهى وهم عصاة المؤمنين ومنهم من لا يشتهي ولا يشتهى وهم المكذبون بيوم الدين والقائلون بنفي الجنة المحسوسة ولا خامس لهؤلاء الأربعة الصناف واعلم أن الجنات ثلاث جنات جنة اختصاص إلهي وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا حد العلم وحدهم من أول ما يولد إلى أن يستهل صارخا إلى انقضاء ستة أعوام ويعطي الله من شاء من عباده من جنات الأختصاص ما شاء ومن أهلها المجانين الذين ما عقلوا ومن أهلها أهل التوحيد العلمي ومن أهلها أهل الفترات ومن لم تصل إليهم دعوة رسول والجنة الثانية جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ممن ذكرنا ومن المؤمنين وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها والجنة الثالثة جنة الأعمال وهي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم فمن كان أفضل من غيره في وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر وسواء كان الفاضل دون المفضول أولم يكن نتغير أنه فضله في هذا المقام بهذه الحالة فما من عمل من الأعمال إلا وله جنة ويقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبلال يا بلال بم سبقتني إلى الجنة فما وطئت منها موضعا إلا سمعت خشخشتك أمامي فقال يا رسول الله ما أحدثت قط إلا توضأت ولا توضأت إلا صليت ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما فعلمنا أنها كانت جنة مخصوصة بهذا العمل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبلال بم نلت أن تكون مطرقا بين يدي تحجبني من أين لك هذه المسابقة إلى هذه المرتبة فلما ذكر له ذلك قال له صلى الله عليه وسلم بهما فما من نفريضةة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم ومكروه إلا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص يناله من دخلها والتفاضل على مراتب فمنها بالسن فإنه أقدم منه فيه ويفضل أيضا بالزمان فإن العمل في رمضان وفي الصلاة في المسجد الأقصى وهكذا فضل الصلاة في المسجد الأقصى على سائر المساجد يتفاضلون أيضا بالأحوال فإن الصلاة في الجماعة في الفريضة أفضل من صلاة الشخص وحده وأشباه هذا ويتفاضلون بالأعمال فإن الصلاة أفضل من إماطة لأذى وقد فضل الله الأعمال بعضها على بعض ويتفاضلون أيضا في نفس العمل الواحد كالمتصدق على رحمه فيكون صاحب صلة رحم وصدقة والمتصدق على غير رحمه دونه في نفس العمل الواحد كالمتصدق على رحمه فيكون صاحب صلة رحم وصدقة والمتصدق على غير رحمه دونه في الأجر وكذلك من أهدى هدية لشريف من أهل البيت أفضل ممن أهدى لغير شريف أو بره أو أحسن إليه وووجوه المفاضلة والرسل عليهم السلام إنما ظهر فضلها في الجنة على غيرها بجنة الإختصاص وأما بالعمل فهم في جنات الأعمال ومن الناس من يجمع في الزمن الواحد أعمالا كثيرة فيصرف سمعه فيما ينبغي في زمان تصريفه بصره في زمان تصريفه يده في زمان صومه في زمان صدقته في زمان صلاته في زمان ذكره في زمان نيته من فعل وترك فيؤجر في الزمن الواحد من وجوه كثيرة فيفضل غيره ممن ليس له ذلك ولذلك لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الثمانية الأبواب من الجنة أن يدخل من أيها شاء قال أبو بكر يا رسول الله وما على الإنسان أن يدخل من الأبواب كلها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجو أن تكون منهم يا أبا بكر فأراد أبو بكر بذلك القول ما ذكرنا أن يكون الإنسان في زمان واحد في أعمال كثيرة تعم أبواب الجنة ومن هنا أيضا تعرف النشأة الآخرة فكما لا تشبه الجنة الدنيا في أحوالها كلها وإن اجتمعت في الأسماء كذلك نشأة الإنسان في الآخرة لا تشبه نشأة الدنيا وإن اجتمعتا في الأسماء والصورة الشخصية فإن الروحانية على نشأة الآخرة أغلب من الحسية وقد ذقناه في هذه الدار الدنيا وإن اجتمعتا في الأسماء والصورة الشخصية فإنالروحانية على نشأة الآخرة أغلب من الحسية وقد ذقناه في هذه الدار الدنيا مع كثافة هذه النشأة فيكون الإنسان بعينه في أماكن كثيرة وأما عامة الناس فيدركون ذلك في المنام ولقد رأيت رؤيا لنفسي في هذا النوع وأخذتها بشرى من الله فإنها مطابقة لحديث نبوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ضرب لنا مثله في الأنبياء عليهم السلام فقال صلى الله عليه وسلم مثلي في الأنبياء كمثل رجل بنى حائطا فأكمله إلا لبنة واحدة فكنت أنا تلك اللبنة فلا رسول بعدي ولا نبي فشبه النبوةة بالحائط والأنبياء باللبن التي قام بها هذا الحائط وهو تشبيه في غاية الحسن فإن مسمى الحائط هنا المشار إليه لم يصح ظهوره إلا باللبن فكان صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فكنت بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة أرى فيما يرى النائم الكعبة مبنية بلبن فضة وذهب لبنة فضة ولبنة ذهب وقد كملت بالنباء وما بقي فيها شيء وأنا أنظر إليها وإلى حسنها فالتفت إلى الوجه الذي بين الركن اليماني والشامي هو إلى الركن الشامي أقرب فوجدت موضع لبنتين لبنة فضة ولبنة ذهب ينقص من الحائط في الصفين في الصف الأعلى ينقص لبنة ذهب وفي الصف الذي يليه ينقص لبنة فضة فرأيت نفسي قد انطبعت في موضع تلك اللبنتين فكنت أنا عين تينك اللبنتين وكمل الحائط ولم يبق في الكعبة شيء ينقص وأنا واقف أنظر واعلم أني واقف واعلم أني عين تينك اللبنتين لا أشك في ذلك وأنهما عين ذاتي واستيقظت فشكرت الله تعالى وقلت متأولا أني في الأتباع في صنفي كرسول الله صلى الله عليه وسلم في الأنبياء عليهم السلام وعسى أن أكون ممن ختم الله الولاية بي وما ذلك على الله بعزيز وذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ضربه المثل بالحائط وأنه كان تلك اللبنة فقصصت رؤياي على بعض علماء هذا الشأن بمكة من أهل توزر نفأخبرني في تأويلها بما وقع لي وما سميت له الرائي من هو فالله أسأل أن يتمها علي بكرمه فإن الأختصاص الإلهي لا يقبل التحجير ولا الموازنة ولا العمل وإن ذلك من فضل الله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم واعلم أن جنة الأعمال مائة درجة لا غير كما أن النار مائة درك غير أن كل درجة تنقسم إلى منازل فلنذكر من منازلها ما يكون لهذه الأمة المحمدية وما تفضل به على سائر الأمم فإنها خير أمة أخرجت للناس بشهادة الحق في القرآن وتعريفه وهذه المائة درجة في كل جنة من الثمان الجنات وصورتها جنة في جنة وأعلاها جنة عدن وهي قصبة الجنة فيها الكثيب الذي يكون اجتماع الناس فيه لرؤية الحق تعالى توهي أعلى جنة في الجنات هي في الجنات بمنزلة دار الملك يدور عليها ثمانية أسوار بين كل سورين جنة فالتي تلي جنة عدن إنما هي جنة الفردوس وهي أوسط الجنات التي دون جنة عدن وأفضلها ثم جنة الخلد ثم جنة النعيم ثم جنة المأوى ثم دار السلام ثم دار المقامة وأما الوسيلة فهي أعلى درجة في جنة عدن وهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حصلت له بدعاء أمته فعل ذلك الحق سبحانه حكمة أخفاها فإنا بسببه نلنا السعادة نمن الله وبه كنا خير أمة أخرجت للناس وبه ختم الله بنا الأمم كما ختم به النبيين وهو صلى الله عليه وسلم بشر كما أمر أن يقول ولنا وجه خاص إلى الله عز وجل نناجيه منه ويناجينا وهكذا كل مخلوق له وجه خاص إلى ربه فأمرنا عن أمر الله أن ندعو له بالوسيلة حتى ينزل فيها وينالها بدعاء أمته فافهم هذا الفضل العظيم وهذا من باب الغيرة الإلهية إن فهمت فلقد كرم الله هذا النبي وهذه الأمة فتحوي درجات الجنة من الدرج فيها على خمسة آلاف درج ومائة درج وخمسة أدراج لا غير وقد تزيد على هذا العدد بلا شك ولكن ذكرنا منها ما اتفق عليه أهل الكشف ممما يجري مجرى الأنواع من الجناس والذي اختصت به هذه الأمة المحمدية على سائر الأمم من هذه الأدراج اثنا عشر درجا لا غير لا يشاركها فيها أحد من الأمم كما فضل صلى الله عليه وسلم غيره من الرسل في الآخرة بالوسيلة وفتح باب الشفاعة وفي الدنيا بست لم يعطها نبي قبله كما ورد في الحديث الصحيح من حديث مسلم بن الحجاج فذكر منها عموم رسالته وتحليل الغنائم والنصر بالرعب وجعلت له الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها له طهورا وأعطى مفاتيح خزائن الأرض ثم اعلم أن أهل الجنة أربعة أصناف الرسل وهم الأنبياء والأولياء وهم أتباع الرسل على بصيرة وبينة من ربهم والمؤمنون وهم المصدقون بهم عليهم السلام والعلماء بتوحيد الله أنه لا إله إلا هو من حيث الأدلة العقلية قال الله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم وهؤلاء هم الذين أريده بالعلماء وفيهم يقول الله تعالى يرفع نه الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والطريق الموصلة إلى العلم بالله طريقان لا ثالث لهما ومن وحد الله من غير هذين الطريقين فهو مقلد في توحيده الطريق الواحدة طريق الكشف وهو علم ضروري يحصل عند الكشف يجده الإنسان في نفسه لا يقبل معه شبهة ولا يقدر على دفعه ولا يعرف لذلك دليلا يستند إليه سوى ما يجده في نفسه إلا أن بعضهم قال يعطي الدليل والمدلول في كشفه فإنه ما لا يعرف إلا بالدليل فلا بد أن يكشف له عن الدليل وكان يقول بهذه المقالة صاحبنا أبو عبد الله بن الكتاني بمدينة فاس سمعت ذلك منه وأخبر عن حاله وصدق وأخطأ في أن الأمر لا يكون إلا كذلك فإن غيره يجد ذلك في نفسه ذوقا من غير أن يكشف له عن الدليل وأما أن يحصل له عن تجل إلهي يحصل له وهم الرسل والأنبياء وبعض الأولياء والطريق الثاني طريق الفكر والإستدلال بالبرهان العقلي وهذا الطريق دون الطريق الأول فإن صاحب النظر في الدليل قد تدخل عليه الشبه القادحة في دليله فيتكلف الكشف عنها والبحث عن وجه الحق في الأمر المطلوب وما ثم طريق ثالث فهؤلاء هم أولو العلم الذين شهدوا بتوحيد الله ولفحول هذه الطبقة من العلماء بتوحيد الله دلالة ونظر زيادة علم على التوحيد بتوحيد في الذات بأدلة قطعية لا يعطاها كل أهل الكشف بل بعضهم قد يعطاها وهؤلاء إلا ربع الطوائف يتميزون في جنات عدن عند رؤية الحق في الكثيب الأبيض وهم فيه على أربعة مقامات طائفة منهم أصحاب منابر وهي الطبقة العليا الرسل والأنبياء والطائفة الثانية هم الولياء ورثة النبياء قولا وعملا وحالا وهم على بينة من ربهم وهم أصحاب الأسرة والعرش والطبقة الثالثة العلماء بالله من طريق النظر البرهاني العقلي وهم أصحاب الكراسي والطبقة الرابعة وهم المؤمنون المقلدون في توحيدهم ولهم المراتب وهم في الحشر مقدمون على أصحاب النظر العقلي وهم في الكثيب عند النظر يتقدمون على المقلدين فإذا أراد الله أن يتجلى لعباده في الزور العام نادى منادي الحق في الجنات كلها يأهل الجنان حي على المنة العظمى والمكانة الزلفى والمنظر الأعلى هلمو إلى زيارة ربكم في جنة عدن فيبادرون إلى جنة عدن فيدخلونها وكل طائفة قد عرفت مرتبتها ومنزلتها فيجلسون ثم يؤمر بالموائد فتنصب بين أيديهم موائد اختصاص ما رأوا مثلها ولا تخيلوه في حياتهم ولا في جناتهم جنات الأعمال وكذلك الطعام ماذاقوا مثله في منازلهم وكذلك ما تناولوه من الشراب فإذا فرغوا من ذلك خلعت عليهم من الخلع ما لم يلبسوا مثلها فيما تقدم ومصداق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فإذا فرغوا من ذلك قاموا إلى كثيب من المسك الأبيض فأخذوا منازلهم فيه على قدر علمهم بالله لا على قدر عملهم فإن العمل مخصوص بنعيم الجنان لا بمشاهدة الرحمن فبيناهم على ذلك إذا بنور قد بهرهم فيخرون سجدا فيسرى ذلك النور في أبصارهم ظاهرا وفي بصائرهم باطنا وفي أجزاء أبدانهم كلها وفي الطائف نفوسهم فيرجع كل شخص منهم عينا كله وسمعا كله فيرى بذاته كلها لا تقيده الجهات ويسمع بذاته كلها فهذا يعطيهم ذلك النور فيه تطيقون المشاهدة والرؤية وهي أتم من المشاهدة فيأتيهم رسول من الله يقول لهم تأهبوا لرؤية ربكم جل جلاله فها هو يتجلى لكم فيتأهبون نفيتجلى الحق جل جلاله لا عظم الحجبة عنده ارفعوا الحجب بيني وبين عبادي ححتى يروني فترفع الحجب فيتحلى لهم الحق جل جلاله خلف حجاب واحد في اسمه الجميل اللطيف إلى أبصارهم وكلهم بصر واحد فينفهق عليهم عبادي نور يسري في ذواتهم فيكونون به سمعا كلهم وقد أبهتهم جمال الرب وأشرقت ذواتهم بنور ذلك الجمال إلا قدس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث النقاش في مواقف القيامة وهذا تمامه فيقول الله جل جلاله سلام عليكم عبادي ومرحبا بكم حياكم الله سلام عليكم من الرحمن الرحيم الحي القيوم طبتم فادخلوها خالدين طابت لكم الجنة فطيبوا أنفسكم بالنعيم المقيم والثواب من الكريم والخلود الدائم أنتم المؤمنون الآمنون وأنا الله المؤمن المهيمن شققت لكم اسما من أسمائي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون أنتم أوليائي وجيراني وأصفيائي وخاصتي وأهل محبتي وفي داري سلام عليكم يا معشر عبادي المسلمين أنتم المسلمون وأنا السلام وداري دار السلام سأريكم وجهي كما سمعتم كلامي فإذا تجليت لكم وكشفت عن وجهي الحجب فاحمدوني وادخلوا إلى داري غير محجوبين عني بسلام آمنين فردوا علي واجلسسوا حولي حتى تنظروا إلي وتروني من قريب فأتحفكم بتحفي وأجيزكم بجوائزي وأخصكم بنوري وأغشيكم بجمالي وأهل لكم من ملكي وأفاكهكم بضحكي وأغلفكم بيدي وأشمكم روحي أنا ربكم الذي كنتم تعبدوني ولم تروني وتحبوني وتخافوني وعزتي وجلالي وعلوي وكبريائي وبهائي وسناي إني عنكم راض وأحبكم وأحب ما تحبون ولكم عندي ما تشتهي أنفسكم وتلذ أعينكم ولكم عندي ما تدعون وما شئتم وكل ما شئتم أشاء فاسألوني ولا تحتشموا ولا تستحيوا ولا تستوحشوا وإني أنا الله الجواد الغني الملي الوفي الصادق وهذه داري قد أسكنتكموها وجنتي قد أبحتكموها ونفسي قد أريتكموها وهذه يدي ذات الندى والطل مبسوطة ممتدة عليكم لا أقبضها عنكم وأنا أنظر إليكم لا أصرف بصري عنكم فاسألوني ما شئتم واشتهيتم فقد آنستكم بنفسي وأنا لكم جليس وأنيس فلا حاجة ولا فاقة بعد هذا ولا بؤس ولا مسكنة ولا ضعف ولا هرم ولا سخط ولا حرج ولا تحويل أبدا سرمدا نعيمكم نعيم الأبد وأنتم الآمنون المقبعون الماكثون المكرمون المنعمون وأنتم السادة الأشراف الذين أطعتموني واجتنبتم محارمي فارفعوا إلي حوائجكم أقضها لكم وكرامة ونعمة قال فيقولون ربنا ما كان هذا أملنا ولا أمنيتنا ولكن حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكرم أبدا أبدا ورضى نفسك عنا فيقول لهم العلي الأعلى مالك الملك السخي الكريم تبارك وتعالى فهذا وجهي بارز لكم أبدا سرمدا فانظروا إليه وأبشروا فإن نفسي عنكم راضية فتمتعوا وقوموا إلى أزواجكم فعانقوا وانكحوا وإلى ولائدكم ففاكهوا وإلى غرفكم فادخلوا وإلى بساتينكم فتنزهوا وإلى دوابكم فاركبوا وإلى فرشكم فاتكئوا وإلى جواريكم وسراريكم في الجنان فاستأنسوا وإلى هداياكم من ربكم فاقبلوا وإلى كسوتكم فالبسوا وإلى مجالسكم فتحدثوا ثم قيلوا قائلة لا نوم فيها ولا غائلة في ظل ظليل وأمن مقيل ومجاورة الجليل ثم روحوا إلى نهر الكوثر والكافور والماء لمطهر والتسنيم والسلسبيل والزنجبيل فاغتسلوا وتنعموا طوبى لكم وحسن مآب ثم روحوا فاتكئوا على الرفارف الخضر والعبقريب الحسان والفرش المرفوعة في الظلل الممدود والماء المسكوب والفاكهة الكثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم ثم تلا هذه الآية أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا إلى هنا انتهى حديث أبي بكر النقاش الذي أسندناه في باب القيامة قبل هذا في حديث المواقف ثم إن الحق تعالى بعد هذا الخطاب يرفع الحجاب ويتجلى لعباده فخرون سجدا فيقول لهم ارفعوا رؤسكم فليس هذا موطن سجود يا عبادي ما دعوتكم إلا لتنعموا بمشاهدتي فيمسكهم في ذلك ما شاء الله فيقول لهم هل يبقى لكم شيء بعد هذا فيقولون يا ربنا وأي شيء بقي وقد نجيتنا من النار وأدخلتنا دار رضوانك وأنزلتنا بجوارك وخلعت علينا ملابس كرمك وأريتنا وجهك فيقول الحق جل جلاله بقي لكم فيقولون يا ربنا وما ذاك الذي بقي فيقول دوام رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا فما أحلاها من كلمة وما ألذها من بشرى فبدأ سبحانه بالكلام خلقنا فقال كن فأول شيء كان لنا منه السماع فختم بما به بدأ فقال هذه المقالة فختم بالسماع وهو هذه البشرى وتتفاضل الناس في رؤيته سبحانه ويتفاوتون فيها تفاوتا عظيما على قدر علمهم فمنهم ومنهم ثم يقول سبحانه لملائكته ردوهم إلى قصورهم فلا يهتدون لأمرين لما طرأ عليهم من سكر الرؤية ولما زادهم من الخير في طريقهم فلم يعرفوها فلولا أن الملائكة تدل بهم ما عرفوا منازلهم فإذا وصلوا إلى منازلهم تلقاهم أهلهم من الحور والولدان فيرون جميع ملكهم قد كسي بهاء وجمالا ونورا من وجوههم أفاضوه إفاضة ذاتية على ملكهم فيقولون لهم لقد زدتم نورا وبهاء وجمالا ما تركناكم عليه فيقول لهم أهلهم وكذا كم أنتم قد زدتم من البهاء والجمال ما لم يكن فيكم عند مفارقتكم إيانا فينعم بعضهم ببعض واعلم أن الراحة والرحمة مطلقة في الجنة كلها وإن كانت الرحمة ليست بأمر وجودي وإنما هي عبارة عن الأمر الذي يلتذ ويتنعم به المرحوم وذلك هو الأمر الوجودي فكل من في الجنة متنعم وكل ما فيها نعيم فحركتهم ما فيها نصب وأعمالهم ما فيها لغوب إلا راحة النوم ما عندهم لأنهم ما ينامون فما عندهم من نعيم النوم شيء ونعيم النوم هو الذي يتنعم به أهل النار خاصة فراحة النوم محلها جهنم ومن رحمة الله بأهل النار في أيام عذابهم خمود النار عنهم ثم تسعر بعد ذلك عليهم فيخف عنهم بذلك من آلام العذاب على قدر ما خبت النار قال تعالى ' كلما خبت زدناهم سعيرا ' وهذا يدلك إن النار محسوسة بلا شك فإن النار ما تتصف بهذا الوصف إلا من كون قيامها بالأجسام لأن حقيقة النار لا تقبل هذا الوصف من حيث ذاتها ولا الزيادة ولا النقص وإنما هو الجسم المحرق بالنار هو الذي يسجر بالنارية وإن حلمنا هذه الآية على الوجه الآخر قلنا قوله تعالى ' كلما خبت يعني النار المسلطة على أجسامهم زدناهم يعني المعذبين سعيرا فإنه لم يقل زدناها ومعنى ذلك إن العذاب ينقلب إلى بواطنهم وهو أشد العذاب الحسي يشغلهم عن العذاب المعنوي فإذا خبت النار في ظواهرهم ووجدوا الراحة من حيث حسهم سلط الله عليهم في بواطنهم التفكر فيما كانوا فرطوا فيه من الأمور التي لو عملوا بها لنالوا السعادة وتسلط عليهم الوهم بسلطانه فيتوهمون عذابا أشد مما كانوا فيه فيكون عذابهم بذلك التوهم في نفوسهم أشد من حلول العذاب المقرون بتسلط النار المحسوسة على أجسامهم وتلك النار التي أعطاها الوهم هي النار التي تطلع على الأفئدة وهي التي قلنا فيها : إلى نهر الكوثر والكافور والماء لمطهر والتسنيم والسلسبيل والزنجبيل فاغتسلوا وتنعموا طوبى لكم وحسن مآب ثم روحوا فاتكئوا على الرفارف الخضر والعبقريب الحسان والفرش المرفوعة في الظلل الممدود والماء المسكوب والفاكهة الكثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم ثم تلا هذه الآية أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا إلى هنا انتهى حديث أبي بكر النقاش الذي أسندناه في باب القيامة قبل هذا في حديث المواقف ثم إن الحق تعالى بعد هذا الخطاب يرفع الحجاب ويتجلى لعباده فخرون سجدا فيقول لهم ارفعوا رؤسكم فليس هذا موطن سجود يا عبادي ما دعوتكم إلا لتنعموا بمشاهدتي فيمسكهم في ذلك ما شاء الله فيقول لهم هل يبقى لكم شيء بعد هذا فيقولون يا ربنا وأي شيء بقي وقد نجيتنا من النار وأدخلتنا دار رضوانك وأنزلتنا بجوارك وخلعت علينا ملابس كرمك وأريتنا وجهك فيقول الحق جل جلاله بقي لكم فيقولون يا ربنا وما ذاك الذي بقي فيقول دوام رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا فما أحلاها من كلمة وما ألذها من بشرى فبدأ سبحانه بالكلام خلقنا فقال كن فأول شيء كان لنا منه السماع فختم بما به بدأ فقال هذه المقالة فختم بالسماع وهو هذه البشرى وتتفاضل الناس في رؤيته سبحانه ويتفاوتون فيها تفاوتا عظيما على قدر علمهم فمنهم ومنهم ثم يقول سبحانه لملائكته ردوهم إلى قصورهم فلا يهتدون لأمرين لما طرأ عليهم من سكر الرؤية ولما زادهم من الخير في طريقهم فلم يعرفوها فلولا أن الملائكة تدل بهم ما عرفوا منازلهم فإذا وصلوا إلى منازلهم تلقاهم أهلهم من الحور والولدان فيرون جميع ملكهم قد كسي بهاء وجمالا ونورا من وجوههم أفاضوه إفاضة ذاتية على ملكهم فيقولون لهم لقد زدتم نورا وبهاء وجمالا ما تركناكم عليه فيقول لهم أهلهم وكذا كم أنتم قد زدتم من البهاء والجمال ما لم يكن فيكم عند مفارقتكم إيانا فينعم بعضهم ببعض واعلم أن الراحة والرحمة مطلقة في الجنة كلها وإن كانت الرحمة ليست بأمر وجودي وإنما هي عبارة عن الأمر الذي يلتذ ويتنعم به المرحوم وذلك هو الأمر الوجودي فكل من في الجنة متنعم وكل ما فيها نعيم فحركتهم ما فيها نصب وأعمالهم ما فيها لغوب إلا راحة النوم ما عندهم لأنهم ما ينامون فما عندهم من نعيم النوم شيء ونعيم النوم هو الذي يتنعم به أهل النار خاصة فراحة النوم محلها جهنم ومن رحمة الله بأهل النار في أيام عذابهم خمود النار عنهم ثم تسعر بعد ذلك عليهم فيخف عنهم بذلك من آلام العذاب على قدر ما خبت النار قال تعالى ' كلما خبت زدناهم سعيرا ' وهذا يدلك إن النار محسوسة بلا شك فإن النار ما تتصف بهذا الوصف إلا من كون قيامها بالأجسام لأن حقيقة النار لا تقبل هذا الوصف من حيث ذاتها ولا الزيادة ولا النقص وإنما هو الجسم المحرق بالنار هو الذي يسجر بالنارية وإن حلمنا هذه الآية على الوجه الآخر قلنا قوله تعالى ' كلما خبت يعني النار المسلطة على أجسامهم زدناهم يعني المعذبين سعيرا فإنه لم يقل زدناها ومعنى ذلك إن العذاب ينقلب إلى بواطنهم وهو أشد العذاب الحسي يشغلهم عن العذاب المعنوي فإذا خبت النار في ظواهرهم ووجدوا الراحة من حيث حسهم سلط الله عليهم في بواطنهم التفكر فيما كانوا فرطوا فيه من الأمور التي لو عملوا بها لنالوا السعادة وتسلط عليهم الوهم بسلطانه فيتوهمون عذابا أشد مما كانوا فيه فيكون عذابهم بذلك التوهم في نفوسهم أشد من حلول العذاب المقرون بتسلط النار المحسوسة على أجسامهم وتلك النار التي أعطاها الوهم هي النار التي تطلع على الأفئدة وهي التي قلنا فيها : النار ناران نار كلها لهب . . . ونار معنى على الأرواح تطلع
وهي التي ما لها سفع ولا لهب . . . لكن لها ألم في القلب ينطبع
पृष्ठ 400