कराइस बयान
عرائس البيان في حقائق القرآن
خلقه.
قيل : هو المبدع للأشياء والمبدي لها.
وقال بعضهم : فاق الأشياء جمالا وكمالا.
( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103))
قوله تعالى : ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ) لما وصف تعالى نفسه بالقدرة الكاملة في خلق الكون ، وعرفهم نفسه بإظهار الآيات ، ونفى عن نفسه علة الحدثان ، وعرفهم بتنزيه صفاته ، وإفراد ذاته وصفاته من بين الأضداد والأنداد ، ووصف جلاله بالوحدانية الأزلية ، وعرفهم قدس ذاته وصفاته بخطابه معهم بوصف تلك النعوت ، ألزمهم بعد ذلك العبودية صرفا بقوله : ( فاعبدوه ) أي : اعبدوا من هذا وصفه ، ولا تتكلموا إلى غيره ، فإن الكون وما فيه خاضع لعظمته بعد أن كان في قبض عزته ، لا يضر ولا ينفع إلا بمشيئته الأزلية ، وإرادته القديمة ، وهذا معنى قوله تعالى : ( وهو على كل شيء وكيل ) أي : أنا ملجأ الكل ، ومفزع ذوي الحاجات ، ومناص صواحب العاهات.
قال الأستاذ في الآية : تعرف عليهم بآياته ، ثم تعرف إليهم بصفاته ، ثم كاشفهم بحقائق ذاته بقوله : ( لا إله إلا هو ) تعريف السادة والأكابر ، وقوله : ( خالق كل شيء ) تعريف العوام والأصاغر.
ثم وصف نفسه عقيب الآية بالتنزيه عن إحاطة أبصار الحدثان به ، وعجزهم في حواشي ساحات كبريائه عن درك مكنون أسرار قدمه ، وإحاطة علمه ، وقدرته بجميع زلات الوجود.
قوله : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ) لا تدركه الأبصار إلا بالإبصار ، مستفادة من أبصار جلاله ، وكيف يدركه الحدثان ووجود الكون عند ظهور سطوات عظمته عدم؟!
( وهو يدرك الأبصار ) ببصره القديم المنزه عن المشابهة بالحدثان ، بأن يكسوها أنوار صفاته لتراه لا بنفسها ؛ لأنه بلطف ذاته ممتنعق عن مطالعة خلقه مع علو شأن علمه وإحاطته بجميعهم وجودا وعدما بقوله تعالى : ( وهو اللطيف الخبير ) من لطف جماله انجذاب القلوب بنعت العشق إلى ضياء وجهه الكريم عجزا واضطرارا ، من لطفه غرقت الأرواح في بحار محبته ، وفنيت الأسرار في فضاء هويته ، ودهشت القلوب في معارك أشواقه ،
पृष्ठ 388