أما المصريون أنفسهم فلن يفيدوا منه إلا شرا، وأما الإنكليز وغير الإنكليز من الأجانب الطامعين الذين يتربصون بنا الدوائر، فليس أنفع لهم ولا أحب إليهم من أن نفقد صوابنا، ونضل أعصابنا، ونعجز عن تدبير أمورنا! وسؤال آخر يوجه إلى الحكومة وإلى البرلمان: أيهما خير، أن يظل الوزراء في مناصبهم دون أن يصنعوا شيئا، وأن يختلف النواب إلى مجلسهم، دون أن يصنعوا شيئا، أم أن يعاد النظر في أمرنا كله، لعلنا أن نطمئن بعد قلق وأن نأمن بعد خوف؟!
وأنا بعد هذا كله أضن بالوزراء والنواب على أن تدفعهم الأثرة إلى أن يقولوا كما قال قوم من قبلهم فهلكوا وأهلكوا: لنعش نحن، وليأت من بعدنا الطوفان!
1948
الوسائل والغايات
نستعير هذا العنوان من الكاتب الإنجليزي المعروف ألدوس هكسلي، ولكننا لا نستعيره لبحث عن المشكلات العليا التي بحث عنها في كتابه المشهور، وإنما نستعيره لبحث عن مشكلات يسيرة متواضعة، تلائم حياتنا اليسيرة المتواضعة. فقد خلقت مصر - فيما يظهر - لتنهض بجلائل الأعمال وعظائم الأمور، ودل تاريخها كله على أنها قد يسرت لما خلقت له، فنهضت بجلائل الأعمال وعظائم الأمور في عصورها القديمة والمتوسطة، ولكنها في هذا العصر الحديث - أو بعبارة أدق: منذ كان الاحتلال البريطاني - قد أكرهت على التواضع والتضاؤل والاكتفاء بهذه الحياة اليسيرة الضئيلة، التي لا يأكل الإنسان فيها ويشرب وينام ويستيقظ ليعيش، ثم ليأتي في حياته بما ينفعه وينفع الناس، وإنما يعيش الإنسان فيها ليأكل ويشرب وينام ويستيقظ، ثم لا يزيد على ذلك شيئا، ولا يأتي من الأعمال بما ينفع أو يفيد!
نستعير إذن هذا العنوان الخطير من الكاتب الإنكليزي العظيم لبحث متواضع يسير ضئيل كحياتنا المتواضعة اليسيرة الضئيلة، وأول ما نلاحظه في هذا البحث الذي لا خطر له ولا قيمة، والذي نرجو مع ذلك أن يقرأه الناس ولو نياما كما يقدمون على كل شيء في هذه الأيام وهم نيام كالأيقاظ أو أيقاظ كالنيام، أن نفس الأمة المصرية مريضة منذ كان الاحتلال البريطاني بمرض يفسد عليها حياتها كلها، ولن تستقل الحياة الخصبة المنتجة إلا إذا برئت من هذا المرض، وهو الاشتغال بالوسائل عن الغايات، وبالظواهر عن الحقائق. تلاحظ آيات هذا المرض في سيرتها كلها، سواء منها ما يتصل بحياتها العامة، وما يتصل بحياتها الخاصة، وسواء منها ما يتصل بالجد الذي يقصد به إلى الإنتاج، وما يتصل بالترفيه الذي يقصد به إلى الراحة والاستجمام!
فالمصري كما قدمت لا يأكل ليعيش، وإنما يعيش ليأكل، وهو كذلك لا يستريح لينتج، وإنما ينتج ليستريح؛ إن أتيح له شيء من إنتاج. وهو لا يتعلم لينتفع بعلمه وينفع الناس، ولا يتخذ المنصب وسيلة إلى هذا النفع؛ وإنما يتعلم ليجد المنصب، ويجد المنصب ليقبض المرتب آخر الشهر، ويقبض المرتب ليعول أهله كما يستطيع أولا، ثم ليختلف إلى الأندية والقهوات بعد ذلك، فيخوض من لغو الحديث وسخف القول فيما شاء الله أن يخوض فيه! •••
وحياته العامة كحياته الخاصة، قد أصيبت بهذا العرض من أعراض المرض، فلزمها في كل فروعها! وقد يكون مما يضحك ويسلي - إن كان في الشر ما يضحك ويسلي - أن تلاحظ أن مصدر هذا المرض في حياتنا العامة خطأ يسير في الحكم والتقدير ...
فقد قامت النهضة المصرية الحديثة كلها على فكرة خطيرة خصبة؛ هي أن مصر قد اضطرت أيام الترك العثمانيين إلى الركود والخمود، ومضت أوروبا في طريقها إلى الرقي حتى سادت العالم وسيطرت عليه، ففكر زعماء النهضة منذ أول القرن الماضي في أن أول ما يجب على مصر هو النشاط الذي يتيح لها أن تدرك أوروبا، وأن تأخذ بأسباب الحضارة كما أخذت بها، وتسعى إلى الرقي كما سعت إليه، فكان التشبه بأوروبا في أول النهضة وفي أثنائها أيام محمد علي وإسماعيل وسيلة لا غاية. لم يفكر محمد علي وأعوانه، ولم يفكر إسماعيل ومشيروه في أن تكون مصر كأوروبا؛ لأن التشبه بأوروبا غاية من الغايات التي تقصد لنفسها، وإنما فكر محمد علي وإسماعيل وأعوانهما ومشيروهما في أن أوروبا قد غيرت من حياة القرون الوسطى، فأتيح لها رقي في النظم الاجتماعية والسياسية، كفل لشعوبها حرية بعد استعباد، وعدلا بعد جور، واستعلاء في الأرض بعد أن كانت مستضعفة متهالكة، فأراد محمد علي وإسماعيل وأعوانهما أن تسترد مصر حرية بعد استعباد، وعدلا بعد جور، ومساواة بعد تفاوت، وعزة بعد ذلة.
ولكن هذه الوسيلة لم تلبث أن أصبحت غاية في نفوس كثير من المصريين، ثم في نفوس أكثر المصريين، ثم في نفوس المصريين جميعا، إلا أفرادا قليلين يمكن أن يبلغهم الإحصاء! فليس المهم الآن هو أن يتحقق في مصر مثلما تحقق في أوروبا من العدل الاجتماعي والسياسي، وإنما المهم هو أن توجد في مصر النظم والأدوات التي اتخذتها أوروبا وسيلة إلى تحقيق العدل السياسي والاجتماعي، سواء أكان لهذه النظم والأدوات من الإنتاج مثلما كان لها في أوروبا أم لم يكن!
अज्ञात पृष्ठ