يا له من أمل! .. لم يكن السعي إلى حديث السياسة من طبعه ولكنه يقبل دعوة فهمي كلما دعا إليه اتقاء لتكديره، وطلبا لنوع طريف من التسلية، وربما ثار اهتمامه بين الحين والحين، وإن لم يبلغ درجة الحماس، بل ربما شاركه أمانيه بطريقة سلبية هادئة، ولكنه أثبت طوال حياته أنه قليل الاكتراث بهذا الجانب من الحياة العامة، كأنه لا غاية له وراء التنعم بطيبات الحياة ولذاتها؛ لذلك لم يجد في نفسه استعدادا للأخذ بهذه الأقوال مأخذ الجد، وتساءل مرة أخرى: هل يقع هذا في حدود الإمكان حقا؟
فقال فهمي بحماس لا يخلو من لوم: لا يأس مع الحياة يا أخي!
فأثارت هذه الجملة في نفسه ما تثيره أمثالها من ميل إلى السخرية، بيد أنه تساءل متظاهرا بالجد: وكيف لنا بأن نخرجهم؟
ففكر فهمي قليلا ثم قال عابسا: لهذا طلب سعد وزميلاه السفر إلى لندن!
تابعت الأم الحديث باهتمام مركزة فيه وعيها كله كي تفهم أقصى ما يسعها فهمه منه، كدأبها كلما ثار حديث في الشئون العامة البعيدة كل البعد عن اللغو المنزلي، تلك الأمور تشوقها، وتدعي القدرة على فهمها، ولا تتردد إذا سنحت فرصة عن المشاركة فيها غير مبالية بما تحدثه آراؤها في أحايين كثيرة من الاستهانة المشربة بالعطف، ولكن لم يكن شيء ليحطم مجاديفها أو يصدها عن الاهتمام بهذه الشئون «الكبيرة» التي يبدو أنها تتبعها مدفوعة بنفس البواعث التي تدفعها إلى التعلق بدروس كمال الدينية، أو مناقشة ما يلقي عليها من معلوماته الجغرافية والتاريخية على ضوء معارفها الدينية أو الأسطورية، وقد أكسبها هذا الجد شيئا من الإلمام بما يقال عن مصطفى كامل ومحمد فريد وأفندينا المبعد، أولئك الرجال الذين ضاعف من حبها لهم إخلاصهم للخلافة الأمر الذي قربهم في نظرها - كشخص يقدر الرجال بحسب منازلهم الدينية - من مراتب الأولياء الذين تهيم بهم، ولما أن ذكر فهمي أن سعدا وزميليه يطلبان السفر إلى «لندن» خرجت عن صمتها فجأة متسائلة: أي بلاد الله لندن هذه؟
فبادرها كمال باللهجة المنغومة التي يسمع بها التلاميذ دروسهم: لندن عاصمة بريطانيا العظمى، وباريس عاصمة فرنسا، والكاب وعاصمتها الكاب.
ثم مال على أذنها هامسا «لندن بلاد الإنجليز»، فتولت الأم الدهشة وقالت مخاطبة فهمي: يذهبون إلى بلاد الإنجليز ليطالبوهم بأن يخرجوا من مصر؟! ... ليس هذا من الذوق في شيء ... كيف تزورني في بيتي وأنت تضمر طردي من بيتك؟!
أضجرت مقاطعتها الشاب، فنظر إليها باسما معاتبا في آن، ولكنها ظنت أنها بسبيل إقناعه، فأردفت قائلة: وكيف يطلبون إخراجهم من ديارنا بعد إقامة طالت هذا الدهر كله؟! لقد ولدنا وولدتم وهم في بلادنا فهل من «الإنسانية» أن نتصدى لهم بعد ذاك العمر الطويل من العشرة والجيرة لنقول لهم بصريح العبارة - وفي بلادهم أيضا - اخرجوا؟!
ابتسم فهمي كاليائس على حين قهقه ياسين، أما زينب فقالت جادة: كيف تواتيهم الجرأة على أن يقولوا لهم هذا في بلادهم! ... هب الإنجليز قتلوهم هناك، فمن ذا يدري بهم؟ ... ألم يجعل جنودهم المشي في الشوارع البعيدة من المخاطرات غير المأمونة؟ ... فكيف بمن تحدثه نفسه باقتحام ديارهم؟!
ود ياسين لو يسترسل مع المرأتين في حديثهما الساذج إرواء لعواطفه الظامئة إلى المزاح، ولكنه لمس ضجر فهمي فأشفق من إغضابه، فتحول إليه مواصلا ما انقطع من الحديث وهو يقول: في كلامهما حق لم تحسنا التعبير عنه، خبرني يا أخي ما عسى أن يصنع سعد حيال دولة تعد الآن سيدة العالم بلا منازع؟
अज्ञात पृष्ठ