فقال ياسين: اثنان كسبا الحرب هما الإنجليز والسلطان فؤاد، فلا أولئك كانوا يحلمون بالقضاء على الألمان، ولا هذا كان يحلم بالعرش.
وسكت لحظة ثم استطرد ضاحكا: وثالث لا يقل حظه عن السابقين هو عروستنا التي ما كانت تحلم بالعريس.
فرمته خديجة بنظرة وعيد وقالت: تأبى أن أغادر البيت من غير أن ألدغك.
فتراجع وهو يقول: من الخير أن أطلب الهدنة، فلست أعظم شأنا من غليوم أو هندنبرج.
ثم نظر إلى فهمي الذي لاح في وجهه التفكير بحال لا يتفق مع المناسبة السعيدة، فقال له: اطرح السياسة وراء ظهرك، وتهيأ للطرب ولذيذ المآكل والمشارب.
ومع أن خديجة تناوبتها أفكار كثيرة، وخطرت على قلبها أحلام وأحلام، إلا أن ذكرى قريبة - من ذكريات الصباح فحسب - ألحت عليها من شدة تأثرها بها، حتى كادت تحجب غيرها من الشجون، تلك دعوة أبيها لها على انفراد لمناسبة اليوم الذي يعد مبدأ حياة جديدة في حياتها، قابلها بلطف ورحمة كانا بلسما شافيا من وعكة الحياء والرهبة التي اعترتها حتى تعثرت في مشيتها، ثم قال لها برقة وقعت من نفسها موقعا غريبا لا عهد لها به: ربنا يسدد خطاك ويهيئ لك التوفيق وراحة البال، وما من نصيحة تسدى إليك خير من أن أقول: اقتدي بأمك في كل كبيرة وصغيرة.
وأعطاها يده فقبلتها ثم غادرت الحجرة لا تكاد ترى ما بين يديها من الانفعال والتأثر، وجعلت تردد طول الوقت «كم أنه لطيف رقيق رحيم!» ثم تذكر بقلب ملؤه السعادة قوله : «اقتدي بأمك في كل كبيرة وصغيرة.» وتقول لأمها التي أصغت إليها بوجه متورد وعينين مرتعشتين: «ألا يعني هذا أنه يراك القدوة الصالحة للزوجة الصالحة؟ (ثم ضاحكة) يا لك من امرأة سعيدة الحظ! ولكن من عسى أن يصدق هذا كله؟ كأني كنت في حلم سعيد! أين كان يدخر هذا العطف الجميل؟!» ثم دعت له طويلا حتى اغرورقت عيناها بالدموع.
وجاءت أم حنفي تعلنهم بوصول السيارات.
48
خلا مجلس القهوة من وجه خديجة كما خلا من وجه عائشة من قبل، على أن خديجة تركت فراغا لم يسد فكأنها استلت روحه وسلبته حيويته، وحرمته مزايا لا يستهان بها من الفكاهة والمرح والنقار، أو كما قال ياسين لنفسه: «كانت في مجلسنا كالملح في الطعام، ليس الملح في ذاته لذيذا ولكن ما لذة الطعام من دونه؟» بيد أنه لم يجهر برأيه مجاملة لزوجه؛ إذ إنه لم يزل - على خيبة أمله في الزواج التي لم يعد لها من دواء في البيت - يشفق من جرح مشاعرها على الأقل كي لا تسيء الظن بسهره المتواصل ليلة بعد أخرى في «القهوة» كما يزعم لها. ولئن كان مزاحه يفوق جده، إن كان ثمة جد، إلا أنه فقد النديم الذي طالما طارحه الدعابة، وهيأ له دواعيها، فلم يبق له إلا أن يقنع بالقليل في هذه الجلسة التقليدية، ها هو يتربع على الكنبة، يحسو القهوة، ويمد بصره إلى الكنبة المقابلة له، فيرى الأم وزوجه وكمال مستغرقين في أحاديث لا طائل تحتها، ولعله يتعجب للمرة المائة من رزانة زينب المعتمة، فيذكر ما رمتها به خديجة من «ثقل الدم» ويسلم بوجهة نظرها! ... ثم يفتح ديوان الحماسة أو غادة كربلاء ويقرأ، أو يقص على كمال شيئا مما قرأ، ويلتفت إلى يمينه فيرى فهمي متوثبا للحديث، عن أي شيء يا ترى، محمد فريد، مصطفى كامل؟ ... لا يدري، ولكنه سيتكلم بلا ريب، بل يبدو اليوم منذ عودته من المدرسة كالسماء المنذرة بالمطر، هل ينكشه؟ ... كلا، لا حاجة به إلى ذلك، ها هو يستقبله باهتمام شديد، ويحدجه بنظرة موحية ناطقة ثم يسأله: ألم تبلغك أنباء جديدة؟
अज्ञात पृष्ठ