الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية
الكفاية في التفسير بالمأثور والدراية
प्रकाशक
دار القلم
संस्करण संख्या
الأولى
प्रकाशन वर्ष
١٤٣٨ هـ - ٢٠١٧ م
प्रकाशक स्थान
بيروت - لبنان
शैलियों
وأصل الحكمة في كلام العرب: "المنع، يقال: أحكمت اليتيم عن الفساد وحكمته، أي منعته. ويقال للحديدة المعترضة في فم الدابة: حكمة لأنها تمنع الدابة من الاعوجاج، والحكمة تمنع من الباطل، ومالا يجمل فلا يحل في المحكم من الأمر بمنعه من الخلل" (١).
وذكر أهل العلم أن ﴿الحكيم﴾، له ثلاثة أوجه (٢):
أحدها: الحاكم العالم، المُصِيبُ للحقِّ، ومنه سمي القاضي حاكمًا، لأنه يصيب الحق في قضائه، وهذا قول أبي العباس المبرد، "وحينئذ يكون صفة ذات" (٣).
والثاني: المانع من الفساد، يعني: المحكم للأمر، كي لا يتطرق إليه الفساد، ومنه سميت (حَكَمَةُ اللجام)، لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد، و"الحكمة هذا قياسها، لأنها تمنع من الجهل" (٤)، ومنه قول جرير (٥):
أبَني حَنيفَة أحكِمُوا سُفهاءكُمْ ... إني أخافُ عليكمُ أنْ أغْضَبَا
قوله (أَحْكِمُوا): أي امنعوهم.
والثالث: أنه المُحْكِمُ لأفعاله، كقوله ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، أي: " أي المؤلم والموجع" (٦)، وكما قال عمرو بن معد يكرب (٧):
أمِنْ رَيْحانة الدَّاعي السَّميعُ (٨) ... يُؤرِّقُنِي وأصحابي هُجوعُ
أي المسمع.
ويجيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ على هذا من صفات الفعل (٩).
قال الثعلبي: " وفي هذه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يطاق (١٠)، حيث أمر الله تعالى الملائكة بإنباء ما لم يعلموا، وهو عالم بعجزهم عنه" (١١).
(١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٨ - ١٧٩، وانظر: تهذيب اللغة واللسان: (حكم).
(٢) أنظر: تفسير البغوي: ١/ ٨٠، والمحرر الوجيز: ١/ ١٢٢، والنكت والعيون: ١/ ١٠١.
(٣) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٨.
(٤) مقاييس اللغة: ٢/ ٩١، وانظر: اللسان: (حكم).
(٥) ديوانه: ٩٠، والبيت في اللسان: (حكم).
(٦) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٨.
(٧) الديوان: ١٤٠، الشعر والشعراء: ١/ ٣٣٢، الخزانة: ٣/ ٤٦٠، والأغاني: ١٤/ ٢٥، ٣٣، واللسان: ١٠/ ٢٨، والأصمعيات: ١٩٨، والصحاح: ٣/ ١٢٣٣، وتأويل مشكل القرآن: ٢٢٩، وقد وجدت في الكتاب الذي حققه السيد أحمد صقر خطأ -مطبعيا- في الهامش رقم (١) صفحة: ١٧، إذ قال صدره: أمن ريحانة الداعي السميع"، والصحيح: وعجزه: يُؤرِّقُنِي وأصحابي هُجوعُ
(٨) ريحانة: امرأته المطلقة، وقيل أخته أم دريد بن الصمة. السميع: المسمع، وهو شاهد صيغة "فعيل" لمبالغة مفعل، تزوج عمرو امرأة من مراد يقال لها "ريحانة"، وذهب مغيرًا قبل أن يدخل بها، فلما قدم أخبر أنه قد ظهر بها وضح - وهو داء تحذره العرب - فطلقها وتزوجها رجل آخر من بني مازن بن ربيعة، وبلغ ذلك عمرًا وأن الذي قيل فيها باطل، فأخذ يشبب بها، وقيل إن "ريحانة" هي أخته، وكان الصمة والد دريد قد غزا بني زبيد فسباها، فغزا عمرو مرارًا ولم يقدر عليها.
فذكر عمرو ما كان من هذا أو ذاك، واستعاد ذكرى الشباب وما كان فيه من لهوه وصحبة الغيد. أما شيبه الذي تعجب له أمامة فليس مما يعيبه فإن له في ماضي زمانه ما يعده ذخيرة لفخره، فقد كان يغدو إلى الصيد على فرس سبوح في جريه، فتعن له حم رالوحش فيصرع منها ما يصرع، وهذا الشيب الذي نرى إنما هو خضاب الحوادث، وما أثرت فيه أهوال الحروب التي خاضها. ثم ساق بعض الحكم، وفخر باجتيازه الفلوات الموحشة، وشكا وجده، وفخر بمهره. ينظر: الخزانة: ٣/ ٤٦٠.
(٩) أنظر: المحرر الوجيز: ١/ ١٢١.
(١٠) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "تكليف ما لا يطاق وهو على ضربين: أحدهما: تكليف ما لا يطاق لوجود ضده من العجز، وذلك مثل أن يكلف المقعد القيام، والأعمى الخط ونقط الكتاب، وأمثال ذلك، فهذا مما لا يجوز تكليفه وهو مما انعقد الإجماع عليه، وذلك لأن عدم الطاقة فيه ملحقة بالممتنع والمستحيل، وذلك يوجب خروجه عن المقدور فامتنع تكليف مثله. والثاني: تكليف مالا يطاق لا لوجود ضده من العجز مثل أن يكلف الكافر الذي سبق في علمه أنه لا يستحب التكليف كفرعون وأبى جهل وأمثالهم، فهذا جائز، وذهبت المعتزلة إلى أن تكليف مالا يطاق غير جائز، قال: وهذه المسألة كالأصل لهذه. قلت: وهذا الإجماع هو إجماع الفقهاء وأهل العلم، فإنه قد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن تكليف الممتنع لذاته واقع في الشريعة، وهذا قول الرازي وطائفة قبله، وزعموا أن تكليف أبي لهب وغيره من هذا الباب حيث كلف أن يصدق بالأخبار التي من جملتها الإخبار بأنه لا يؤمن، وهذا غلط، فإنه من أخبر الله أنه لا يؤمن وأنه يصلي النار بعد دعاء النبي ﷺ له إلى الإيمان فقد حقت عليه كلمة العذاب، كالذي يعاين الملائكة وقت الموت لم يبق بعد هذا مخاطبًا من جهة الرسول بهذين الأمرين المتناقضين. وكذلك من قال: تكليف العاجز واقع محتمًا بقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، فإنه يناقض هذا الإجماع، ومضمون الإجماع نفي وقوع ذلك في الشريعة، وأيضًا فإن مثل هذا الخطاب إنما هو خطاب تعجيز على وجه العقوبة لهم لتركهم السجود وهم سالمون يعاقبون على ترك العبادة في حال قدرتهم بأن أمروا بها حال عجزهم على سبيل العقوبة لهم، وخطاب العقوبة والجزاء من جنس خطاب التكوين، لا يشترط فيه قدرة المخاطب إذ ليس المطلوب فعله، وإذا تبينت الأنواع والأقسام زال الاشتباه والإبهام". [مجموع الفتاوى: ٨/ ١٨١ - ١٨٢].
(١١) تفسير الثعلبي: ١/ ١٧٩.
2 / 177