771

حكى إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: خرجت من عند المأمون بعد السمر في بعض الليالي فعدلت عن الطريق لقضاء الحاجة، فصرت(1) إلى جدار فوقعت في شيء معلق من حائط، وإذا هو زنبيل معلق قد لبس بالديباج، وفيه أربعة أحبل إبرسيم فقلت: [إن](2) له أمرا، ثم تجاسرت وجلست فيه فلما أحس بثقلي جذب، وإذا بأربع يقلن: بالرحب والسعة صديق عتيق أو جديد؟

فقلت: بل جديد، فسارت إحداهن بين يدي حتى أدخلتني في مجلس لم أر مثله، فجلست في أدنى مجالسه وإذا(3) بوصائف في أيدهن الشمع والمجامر، يسجر فيها العود وبينهن جارية كالبدر الطالع ذات دل وشكل، فنهضت عند دخولي، فقالت: مرحبا بالضيف، ثم رفعتني فقلت: جئت على غير قصد.

قالت:ما السبب؟

قلت: انصرفت من عند بعض الأصحاب، فلما رأيت ذلك الزنبيل حملني النبيذ على الدخول فيه.

قالت: فما صناعتك؟ [حياك الله](4).

قلت: بزاز.

قالت: ومولدك؟

قلت:بغداد.

قالت: ومن أي الناس أنت؟

قلت: من أوسطهم.

قالت: حياك الله! هل رويت من الأشعار شيئا؟

قلت: شيئ ضعيف.

قالت: فذاكرني؟

قلت: فإن(5) للداخل دهشة، ولكن ابدأي فالشيء بالمذاكرة.

قالت: لعمري إنه لكذلك، فهل تحفظ قصيدة فلان الذي يقول(6) فيها كذا وكذا؟ ثم أنشدتني لجماعة من القدماء والمحدثين(7) وأنا مستمع انظر من أي أحوالها أعجب من حسنها أو [من](8) حسن إنشادها أو حسن أدبها، وضبطها للغريب من النحو واللغة، ثم قالت: قد ذهب عنك بعض الحضر؟

قلت:أجل.

قالت:فأنشدني، فجعلت أنشدها، فجعلت تسألني عن أشياء تمر في الشعر كالمختبرة، ثم قالت: والله ماقصرت ولا توهمت قبل هذا أنك هكذا وما رأيت بأبناء التجار مثلك، فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟

पृष्ठ 206