अली मुदिया
الجزء الأول
قلت: ولعل بناء(1) عبدالله بن الزبير للكعبة كان بعد أن رماها الحجاج بالمنجنيق(2) والنفط؛ لأن النهرواني قال: لما حاصر الحصين بن نمير عبدالله بن الزبير التجأ إلى المسجد الحرام، فنصبت عليه المجانيق، وأصاب بعض حجارتها الكعبة فتهدم بعض جداراتها(3) واحترق بعض أخشابها وكسوتها، وانهزم الحصين بن نمير بعسكره لما هلك يزيد بن معاوية، وبلغه موته فرأى عبدالله [ابن الزبير](4) أن يهدم الكعبة ويبنيها على قواعد إبراهيم، وكان فراغه من [عمارة](5) البيت الشريف في السابع(6) والعشرين من رجب سنة أربع وستين من الهجرة، فخرج إلى التنعيم هو وأهل مكة معتمرين شكرا لله تعالى، ونحر مائة بدنه، وذبح كل أحد على قدر سعته، وجعلوا ذلك اليوم عيدا مشهورا، وبقيت هذه العمرة سنة في أهل مكة إلى اليوم، فإنهم يجتمعون للاعتمار فيه ، ولا يكادون يتخلفون في هذا اليوم عن الاعتمار في كل عام، ويأتون من البر لقصد هذه العمرة، بحيث يقال: إن صاحب ينبع يومئذ السيد قتادة(7) بن إدريس بن مطاعن الحسني لماعلم من أمراء مكة يومئذ وهم طائفة أخرى من بني حسن، يقال لهم: الهواشم الانهماك على اللهو واللذات، وكثرة الظلم من عبيدهم على الناس ارتقب اليوم السابع والعشرين من رجب، واغتنم الفرصة لاشتغال أهل مكة بهذه العمرة فهجم بعبيده وذويه ودخل مكة من أعلاها، ومنع ولاتها السابقين من الدخول إليها، فاستوسق الأمر لابن الزبير وأخذت له البيعة بالشام، وخطب له على منابر الإسلام إلا منبر طبرية من بلاد الأردن فإن حسان بن مالك بن مجدل أبى أن يبايع لابن الزبير وأرادها لخالد بن يزيد بن معاوية، وهلك يزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد وعبيدالله بن زياد على البصرة أمير فخطب الناس وأعلمهم بموتهما، وأن الأمر شورى، لم ينصب له أحد، فانظروا رجلا ترضونه، يقوم بأمركم(1) فقام إليه أشراف أهلها فقالوا: ما نعلم ذلك الرجل غيرك أيها الأمير، وأنت أحق من قام على أمرنا حتى يجتمع الناس على خليفة، وكان على الكوفة عمر بن حديث الخزاعي عاملا لعبيدالله بن زياد، فكتب إليه عبيدالله يعلمه بما دخل فيه أهل البصرة ويأمره بمثل ذلك، فقام يزيد بن رويم الشيباني فقال: الحمدالله الذي أطلق أيماننا، لا حاجة لنا في بني أمية ولا في إمارة ابن مرجانة، وهي: أم عبيدالله بن زياد إنما البيعة لأهل الحجر-يعني أهل الحجاز- فخلع أهل الكوفة ولاية بني أمية وإمارة عبيدالله بن زياد، ولما اتصل خبر أهل الكوفة بابن الزبير أنفذ إليهم عبدالله بن مطيع العدوي، ثم وجه المختار في إثره كما تقدم.
[ذكر مروان بن الحكم]
ونظر مروان بن الحكم من إطباق الناس على مبايعة ابن الزبير، وإجابتهم له فأراد أن يلحق به، فمنعه عبيدالله بن زياد عند لحاقه بالشام فصار مروان إلى الجابية من أرض الجولان بين دمشق والأردن، واستمال الضحاك بن قيس الفهري الناس وانحاز عن مروان، وأراد دمشق فسبقه إليها الأشدق عمرو بن سعيد بن العاص فدخلها، وصار الضحاك إلى حوران، وأظهر الدعوة لابن الزبير، والتقى الأشدق ومروان، فقال الأشدق لمروان: هل لك فيما أقول لك؟
قال مروان: وما هو؟
قال: أدعو الناس إليك وآخذها لك على أن تكون لي من بعدك؟
فقال مروان: لا بل بعد خالد بن يزيد بن معاوية، فرضى الأشدق بذلك ودعا الناس إلى بيعة مروان، فأجابوا، ومضى الأشدق إلى حسان بن مالك بالأردن(2) فأرغبه في بيعة مروان فجنح لها.
पृष्ठ 115