609

وروى أبو الفرج أنه لما اجتمعت العساكر إلى معاوية، وسار قاصدا إلى العراق، وبلغ الحسن عليه السلام خبر مسيره وأنه قد بلغ منبج، فتحرك عند ذلك الحسن عليه السلام، وأمر حجر بن عدي يأمر الناس بالتهيئ والمسير فلما اجتمعوا خطبهم ووعظهم وحرض على الجهاد، ورغب فيه وأمرهم بالخروج إلى النخيلة، قال: فسكت القوم، فما تكلم منهم أحد ولا أجابه بحرف واحد، فلما رأى ذلك عدي بن حاتم قال: أنا ابن حاتم نص سبحان الله! ما أقبح هذا المقام! ألا تجيبون إمامكم! وابن بنت نبيكم!، أين خطباء مضر؟ أين المبتلئون؟ أين الخواضون من أهل المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في ألدعة فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب، أما يخافون مقت الله ولا عيبها [وعارها](1)، ثم استقبل الحسن بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنبك المكاره، وتكلم بكلام حسن، اختصرته أنا، ثم قال: وهذا وجهي إلى معسكري فمن أحب أن يوافي فليواف، ثم مضى لوجهه فخرج من المسجد إلى النخيلة، ثم قام قيس بن سعد بن عبادة ومعقل بن قيس الرياحي، وزياد بن حفصة التيمي فأنبوا الناس ولاموهم وحرضوهم، وكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم، وخرج الحسن عليه السلام إلى المعسكر(2)، واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، وأمره باستحثاث الناس وإشخاصهم بعده، ولما وصل الحسن دير عبد الرحمن فأقام به ثلاثا، ثم دعا عبيدالله بن العباس بن عبدالمطلب وقدمه أمامه في اثني عشر الفا وأمره أن يتقدم إلى مسكن، وقال له: إن أنت لقيت(3) معاوية فأحبسه حتى آتيك فإني في إثرك وشيكا وليكن خبرك عندي في كل يوم، وشاور هذين الرجلين، -يعني: قيس بن سعد وسعيد بن قيس الهمداني-، ولا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله، فإن أصبت فقيس على الناس، فإن أصيب [قيس](4) فسعيد بن قيس على الناس، وسار الحسن بعده حتى نزل دير كعب، فنزل ساباط دون القنطرة، فلما أصبح خطب الناس فحمدالله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فوالله إني لأرجوا أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه وأنا أنصح خلقه لخلقه، وما أصبحت محتملا على مسلم معتبة، ولا مريدا له بسوء ولا غائلة، وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، ألا وإني ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم، قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض وقالوا: ما ترونه يريد؟ قالوا: نظنه والله يريد أن يصالح معاوية وليسلم الأمر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل، ثم شدوا على فسطاطه فانتهبوه حتى أخذوا مصلاه[من تحته](1) ومطرفه من عاتقه، فبقي جالسا متقلدا السيف بغير(2) رداء، ثم دعا بفرسه فركبه وأحدق به طوائف من خاصته، ومنعوا منه من أراده، ثم قال: ادعوا لي ربيعة وهمدان فأطافوا به، ودفعوا الناس عنه، ومعهم شوب من غيرهم، فلما مر في مظلم ساباط قام إليه الجراح بن سنان الأسدي فأخذ بلجامه وبيده معول، فقال له: الله أكبر يا حسن، أشركت كما أشرك أبوك، ثم طعنه فوقعت في فخذه فشقه حتى خالط أربيته، فسقط الحسن إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه، واعتنقه فخرا جميعا إلى الأرض فوثب عبد الله بن الخطل الطائي فنزع المعول من يده فخضخضه به، وأكب ظبيان بن عمارة عليه فقطع أنفه، ثم قتلوه، وحمل الحسن عليه السلام- على سرير إلى المدائن وبها سعد بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله، وكان علي عليه السلام ولاه فأقره الحسن بن علي عليه السلام، ثم أن معاوية وافى حتى أتى قرية بمسكن يقال لها: الجنوبية، وأقبل عبيدالله بن العباس حتى نزل بإزائه، فلما كان من الغد وجه معاوية بخيله إليه، فخرج إليهم عبيدالله بن العباس فيمن معه فضربهم حتى ردهم إلى معسكرهم، فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيدالله بن العباس أن الحسن قد راسلني في الصلح، فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا وإلا دخلت وأنت(3) تابع، ولك إن جئتني الآن عشرة ألف درهم، نعجل لك في هذا الوقت نصفها، وإذا دخلت الكوفة النصف الآخر، فانسل عبيدالله ليلا فدخل عسكر معاوية وأصبح الناس ينتظرون أن يخرج فيصلي بهم، فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد ثم خطبهم، فقال: أيها الناس، لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الوزغ، إن هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، إن أباه عم رسول الله-صلى الله عليه وآله- خرج فقاتله ببدر، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الأنصاري، وإن أخاه ولاه أمير المؤمنين البصرة فسرق مال الله ومال المسلمين فاشترى به الجواري، وزعم أن ذلك له حلال، وأن هذا أيضا ولاه على اليمن فهرب من بسر بن أرطأة وترك ولديه حتى قتلا، وصنع الآن هذا الذي صنع، قالا: فتنادى الناس الحمدلله الذي أخرجه من بيننا، أنهض بنا إلى عدونا فنهض بهم، وخرج إليهم بسر بن أرطأة في عشرين ألفا، فصاحوا: هذا أميركم قد بايع، وهذا الحسن قد صالح، فعلام تقتلون أنفسكم؟ قال لهم قيس بن سعد: اختاروا إحدى اثنتين:

إما القتال مع غير إمام أو تبايعون بيعة ضلال، قالوا: بل نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم.

पृष्ठ 25