अली मुदिया
الجزء الأول
وإنها جارية مجرى العبادات، فقال لي رحمه الله أبيت إلا ميلا إلى المعتزلة، ثم قال: إن القوم ما كانوا يذهبون في الخلافة إلى أنها من معالم الدين، وأنها جارية مجرى العبادات الشرعية كالصوم والصلاة، ولكنهم كانوا يجرونها مجرى الأمور الدنيوية، ويذهبون بها مذهب تأمير الأمراء، وتدبير الحروب، وسياسة الرعية، وكانوا لا يتحاشون في أمثال هذا من مخالفة نصوصه عليه السلام، إذا رأوا المصلحة في غيرها، ألا تراه كيف نص على إخراج أبي بكر، وعمر في جيش أسامة، ولم يخرجا لما رأيا أن في مقامهما(1) مصلحة للدولة والملة، وحفظا للبيضة(2)، ودفعا للفتنة، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه- يخالف وهو حي في أمثال ذلك فلا ينكره ولا يرى به بأسا، ألست تعلم أنه نزل في غداة (بدر) منزلا على أن يحارب قريشا فيه فخالفته الأنصار وقالت [له](3): ليس الرأي في نزولك هذا المنزل فاتركه وانزل في منزل كذا، فرجع إلى رأيهم، وهو الذي قال للأنصار عام قدم إلى (المدينة) ((لا تؤبروا النخل))، فعملوا على قوله فحالت نخلهم في تلك السنة ولم تثمر حتى قال لهم: ((أنتم أعرف بأمر دنياكم وأنا أعرف بأمر دينكم))، وهو الذي أخذ الفداء من أسارى (بدر)، فخالفه عمر فرجع إلى تصويب رأيه بعد أن فات الأمر، وخلص الأسرى، ورجعوا إلى (مكة)، وهو الذي أراد أن يصالح الأحزاب على ثلث ثمر(4) (المدينة) ليرجعوا عنه، فأبى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة [ذلك](5) وخالفاه ، فرجع إلى قولهما، وقد قال لأبي هريرة: ((.... في الناس من قال لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه دخل الجنة))، فخرج أبو هريرة فأخبر عمر بذلك فدفعه في صدره حتى وقع على الأرض، فقال: لا تقلها فإنك إن تقلها يتكلوا عليها ويدعوا(6) العمل، فأخبر أبا هريرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وقال:
पृष्ठ 395