377

وأما (تبوك): فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة (حنين) أمر الناس بالتهيؤ لغزو (الروم)، وذلك في زمن عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، وكان صلى الله عليه وآله وسلم قل ما يخرج في غزوة إلاكنا عنها إلا غزوة (تبوك) فإنه بينها للناس لبعد الشقة وشدة الزمان، وقال للجد بن قيس أجد بني سلمة، ((يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر))، فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي غرامي بالنساء، وإني اخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت الأية: {ومنهم من يقول ائذن لي..}[التوبة:49] الآية آخرها. ثم حض رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل أناس من أهل الغنى وأحسنوا، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك [اليوم](1)نفقة عظيمة، أنفق ألف دينار، وجاء رجال من المسلمين وهم البكأون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا أهل حاجة فقال: {لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع}[التوبة:92]، وجاء المعذرون فاعتذروا فلم يعذرهم، وتخلف من المسلمين جماعة منهم الثلاثة الذين ذكرهم الله تعالى، وكانت في هذه الغزوة لأمير المؤمنين عليه السلام قضية قضت له بالفضل الذي ما فوقه فضل، وذلك ما رواه الفقيه حميد في كتاب (محاسن الأزهار)، وقد أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، رواه عنهم في (كفاية الطالب) وقال: زأجمع المحدثون على صحته قال أنس: لما خرج رسول الله إلى (تبوك) استخلف عليا على (المدينة) وما هناك، فقال المنافقون عند ذلك: إن محمدا قد شنئ بن عمه ومله، فبلغ ذلك عليا فشد رحله وخرج من ساعته، فهبط جبريل عليه السلام يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقول المنافقين، في علي، وخروج علي، فأمر صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى بالتعريس، قال: فركب قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقون عليا، فأزالوا من مواضعهم إلا وقد طلع عليا عليه السلام مقبلا، فتلقاه رسول الله ماشيا وتبعه الناس فعانقوه رجلا رجلا، ثم قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما أقبل بك إلينا)) فقص عليه القصة من قول المنافقين، فقال: ((ما خلفتك إلا بأمر الله وما كان يصلح لما هناك غيري وغيرك، أما ترضى يا يابن أبي طالب أن أكون أستخلفتك كما استخلف موسى هارون، أما والله إنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))، قالوا: فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قسم للناس ودفع إلى علي عليه السلام قسمين فأنكر ذلك قوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أيها الناس هل أحد أصدق مني))، قالوا: لا يا رسول الله،

فقال: ((أرأيتم صاحب الفرس الأبلق أمام عسكرنا في الميمنة مرة، وفي الميسرة مرة)).

قالوا: رأيناه يا رسول الله.

قال: ((ذاك جبريل عليه السلام قال لي: يا محمد إن لي سهما مما فتح الله عليك وقد جعلته لابن عمك فسلمه إليه)).

وأما ذات أمر فهي غزوة (غطفان) ولم يكن فيها قتال.

قلت: وهذه الغزوات الم يشتهر فيها للمشائخ الثلاثة شيء يصلح أن يكون دليلا على فضلهم وتقدمهم في الدين، وإنما ورد ما أنفقه عثمان في جيش (تبوك)، وقد روي في تفسير قوله تعالى: {أفرأيت الذي تولى، وأعطى قليلا وأكدى}[النجم:33،34] الأيات، أنها نزلت فيه، وأنه قال له عبد الله بن أبي سرح، وكان أخاه من الرضاعة أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن العطاء فنزلت الأيات.

قال في (التفسير): ومعنى تولى ترك المركز يوم أحد بفراره.

पृष्ठ 388