Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ونفخت فيه من روحي
[الحجر: 29]، { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين } [97] فيما فعلنا معك ومع يوسف القلب بالظلومية والجهولية، { قال } [يوسف: 98] يعقوب الروح، { سوف أستغفر لكم ربي } بواقعة يوسف القلب حين حضوري مع الله، { إنه هو الغفور } لمن تاب ورجع إليه، { الرحيم } [يوسف: 98] لمن يتوسل إليه بخواصه ومحبته وأوليائه ومقربيه. { فلما دخلوا } [يوسف: 99] يعني: وصلوا الروح وزوجات النفس وأولاده وأوصافه ورفع أبويه على العرش، إذ قال: { آوى إليه أبويه } [يوسف: 99] ليعلم أن القلب بمثابة العرش وهو على الحقيقة عرش الرحمن، وفي الآية تقديم وتأخير في المعنى تقديرها: { على يوسف آوى إليه أبويه } وأنه رفع أبويه على العرش، { وقال ادخلوا مصر } [يوسف: 99] أي: مصر حضرة الملك العزيز، { إن شآء الله } [يوسف: 99] لأن لا يصل إلى حضرته أحد إلا بجذبة مشيئته، { آمنين } [يوسف: 99] على الانقطاع عن تلك الحضرة الملك العزيز، فإنها منزهة عن الاتصال والانفصال والانقطاع عنها.
{ ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا } [يوسف: 100] لما رأوه وعرفوا أنه عرش الحق تبارك وتعالى، فالسجدة كانت على الحقيقة لرب العرش لا للعرش، وقال يوسف القلب: { وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل } [يوسف: 100] أي: من قبل الوجود أن كنت نائما بنوم العدم، { قد جعلها ربي حقا } [يوسف: 100] أي: جعلها في عالم الوجود الحقيقي، { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن } [يوسف: 100] أي: من سجن الوجود؛ ولهذا قال: { أخرجني من السجن } ولم يقل من الجب البشرية، ونعمة إخراجه من سجن الوجود أو فر من نعمة إخراجه من جب البشرية.
{ وجآء بكم من البدو } أي: بدو الطبيعة البشرية، { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي } [يوسف: 100] بالإفساد وقطع رحم الروحانية حتى ألقوني في جب البشرية، { إن ربي لطيف } [يوسف: 100] يريد للطفه، { لما يشآء } [يوسف: 100] من الأمور المهلكة جعلها أسباب سعادة الدارين لمن شاء، { إنه هو العليم } [يوسف: 100] بما قدر لعباده كيف تبدو بما دبر من الأمر كيف دبر، { الحكيم } [يوسف: 100] فيما قدر ودبر بما دبر في الأزل وما دبر إلى الأبد شيئا فشيئا، بل قدر ودبر بالحكمة البالغة ما شاء كما شاء، كما أنه تبارك وتعالى قدر ودبر جميع مراتب سلوك الإنسان في عالم البشرية من مبدأ سيره إلى انتهاء وصوله إلى حضرة الربوبية مرتبا على قصة يوسف ويعقوب وولده وعزيز وزوجته - عليهم السلام - وسماها أحسن القصص؛ لأنها أتم وأكمل في القصص كلها في هذا الشأن.
[12.101-105]
ثم أنطقه بسوابق إحسانه إليه وسوابغ إنعامه عليه حتى قال: { رب قد آتيتني من الملك } [يوسف: 101] ملك الوصول والوصال { وعلمتني من تأويل الأحاديث } وهو مراتب النبوة ونهاية كمالية الإنسان به، { فاطر السموت والأرض } [يوسف: 101] أي: فاطر السماوات عالم الأرواح، وفاطر أرض البشرية؛ لتخرجني من فطر الوجود المجازي، { أنت وليي في الدنيا والآخرة } [يوسف: 101] أي: أنت متولي أمري لتخلصني من حجب الدنيا والآخرة، { توفنى مسلما } أي: أمتني عني بك مستسلما، { وألحقني بالصالحين } [يوسف: 101] للبقاء بك بأن تفنيني عني وتبقيني ببقائك الأزلي الأبدي.
قوله: { ذلك من أنبآء الغيب } [يوسف: 102] يشير إلى الذي فهمناك من مناسبة قصة يوسف وإخوته مع أهل السلوك السائرين إلى الله من أخبار الغيب الذي غابت عن أرباب علم الظاهر، ولا يعمله إلا أهل الغيب وهم الوالجون ملكوت السماوات والأرض، الغواصون في بحر بطن القرآن، المستخرجون درر معانيه من أصداف ألفاظه وكلماته، { نوحيه إليك } [يوسف: 102] القصة وحقائق معانيها المودعة فيها المستجمعة قواعد سلوك السائرين إلى الله من أخبار الغيبية.
{ وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم } [يوسف: 102] في الكيد والمكر بيوسف، ولكن كنت بالمعنى حاضرا { إذ أجمعوا أمرهم } يعني: إخوة يوسف القلب وهم أوصاف البشرية؛ ليكيدوا ويمكروا بيوسف القلب ويلقوه في جب البشرية وأسفل الطبيعة وسجن الدنيا، { وهم يمكرون } [يوسف: 102] أي: طبعهم المكر والكيد.
{ ومآ أكثر الناس } [يوسف: 103] أي: وما أكثر الصفات الناسوتية، { ولو حرصت } [يوسف: 103] يا محمد اللاهوتية، { بمؤمنين } [يوسف: 103] مصدقيك فيما تدعوهم إليه من مقامات القرب والكمالات والتوحيد والمعرفة.
{ وما تسألهم عليه من أجر } [يوسف: 104] يشير إلى أن اللاهوتية غير محتاجة إلى الناسوتية، وإن دعتها إلى الاستكمال؛ لأنها كاملة في ذاتها مكملة لغيرها، { إن هو إلا ذكر للعالمين } [يوسف: 104] أي: دعوتها عامة لمن تعلق بالعالمين إلى رب العالمين، { وكأين من آية في السموت والأرض } [يوسف: 105] أي: وكم من آية دالة إلى الحق في سماوات القلوب وأرض النفوس، { يمرون } [يوسف: 105] من أوصاف الإنسانية، { عليها وهم عنها معرضون } [يوسف: 105] لإقبالهم على الدنيا وشهواتها.
Shafi da ba'a sani ba