Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ثم أخبر عمن سمعوا فاستمعوا بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } [المائدة: 87]، إشارة أن الله تعالى خاطب من رزقهم الإيمان الحقيقي وقال: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } ، أي: لا تحرموا على أنفسكم بشغل الاستعداد بتمتعات الحيوانية والانتفاعات الجسمانية أي: طيبات ما أحل الله لكم خاصة دون سائر المخلوقات من الحيوانات والمنافقين والكفار بل فضلا على الملائكة المقربين، وهي المواهب الربانية عند صفاء الروحانية من المكاشفات وحمل الأمانة التي اختص بحملها نفس الإنسانية، ولهذا قال تعالى: { مآ أحل الله لكم } ، أي: عدها لكم وأعدكم لها { ولا تعتدوا } [المائدة: 87]، ولا تجاوزا عن حد العبودية بدعوة النبوة والحلول والاتحاد، وهما كالنصارى والحيلولية وبعض الشطاح تعالى الله عما يقول الظالمون ويتوهمه الجاهلون علوا كبيرا { إن الله لا يحب المعتدين } [المائدة: 87]؛ يعني: من تجاوز حده إلى ما ليس هو حده { وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا } [المائدة: 88]؛ أي: جدوا واجتهدوا في طلب ما رزقكم وخصكم به من تجلي جماله والجلال ما يكون بريئا من وصمة الحدوث من مواهب الحق، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب فالطيب الذي يقبله الحق من أن يكون متبرئا عن المحدثات؛ ليكون محلا لقبول ما هو بريء من وصمة الحدوث فافهم جيدا، { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } [المائدة: 88]؛ أي: اتقوا من غير الله بالله لتكونوا واصلين به بعدما أنتم به مؤمنون.
[5.89]
ثم أخبر عن لغو أيمان أهل الأيمان بقوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [المائدة: 89]، إشارة أن لا يؤاخذكم أهل الفقه باللغو في أيمانكم عند استيلاء النفس وغلبات صفاتها وسلطان الهوى في أثناء المجاهدة وشدة المكابدة وإعواز المشاهدة أن تخلقوا بالآيات على التبرم من ولاية ملامة النفس وكلالة التقوى، ثم إذا كشطت عن سماوات قلوبكم غمام القبض تعدون الولاء عين الفرض { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } [المائدة : 89]، على الهجران وقصدتم الصدود بالخذلان فأبديتم الشاقة وأخفيتم الكرامة وتعرضتم للملامة { فكفارته } [المائدة: 89]؛ أي: فكفارة ما عقدتم وقصدتم إليه { إطعام عشرة مساكين } [المائدة: 89]، وهم الخواص الخمس الظاهرة والباطنة فإنها مدخل الآفات وموئل الفترات { من أوسط ما تطعمون أهليكم } [المائدة: 89]، وهم القلب والسير والروح والغنى، وطعامهم الشوق والصدق والإخلاص والتفويض، وعلمهم الرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف بواسطة الذكر والتذكير، وتفكروا والتفكر والتشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء، فإطعام الحواس الظاهرة والقوى الباطنة هذه الأطعمة باستعمالها في التعبد بها والتحفظ عما ينافيها { أو كسوتهم } [المائدة: 89]، وهو ألباس الحواس والقوى بلباس التقوى { أو تحرير رقبة } [المائدة: 89]، النفس عن عبودية الهوى والحرص على الدنيا: { فمن لم يجد } [المائدة: 89]، السبيل إلى هذه الأشياء { فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم } [المائدة: 89]، وذلك لأن الأيام لا تخلو عن ثلاث إما يوم قد مضى، أو يوم قد حضر، أو يوم قد بقي، فصيام اليوم الذي قد مضى بالإمساك عما عقد عليه أو قصد إليه أو بالصبر على التوبة عنه، وصيام الذي قد حضر بالإمساك عن التغافل عن الأهم وبالصبر عن الجد والاجتهاد، وبذل الجهد في طلب المراد وصيام اليوم الذي قد بقي بالإمساك عن فسخ العزيمة في ترك الجريمة، وفسخ الإخلاص في طلب الخلاص وبالصبر على قدم الثبات في تقديم الطاعات والمبرات وصدق التوجه إلى حضرة الربوبية بمساعي العبودية من لغو اليمين عند أرباب اليقين أعلم أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الأرق يقسم عليه بكماله وجلاله أن يرزقه شظية من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو فيعفو عنه رحمة عليه لضعف حاله ولا يؤاخذه بمقاله، وإن الأولى الذوبان والخمود بحسن الرضا تحت جريان أحكام المولى في القبول والرد والإقبال والصد وإيثار الاستعانة في أداء حقوقه على الكرامة، وعلى لذة تقريبه وإقباله وشهوة وصوله ووصاله، كما قال قائلهم:
أريد وصاله ويريد هجري
فأترك ما أريد لما يريد
وحقك ما نظرت إلى سواك
بعين مودة حتى أراك
وهذا حكم التوحيد لغو وعن شهود الأحدية سهو وأين في الدار ديار، ومن أنت في الرفعة حتى يتحقق لك وصله أو بحره بل هو الله الواحد القهار { كذلك يبين الله لكم آياته } [المائدة: 89]، وفي مرآة روحه وصفاته الوحدانية القهارية { لعلكم تشكرون } [المائدة: 89]، نعمة رؤية هويته بوحدانيته.
[5.90-91]
ثم أخبر عن الاجتناب عن الخمر والميسر والأزلام والأنصاب بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90]، إشارة أن الله تعالى أخبر عباده المؤمنين عن الأعمال التي يوسوسهم بها الشيطان ويضلهم عن طريق الهدى ويهلكهم بمتابعة الهوى، وإن النجاة والفلاح في اجتنابها فقال تعالى: { يأيها الذين آمنوا } [المائدة: 90] إيمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية في قلوبهم { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان } [المائدة: 90].
Shafi da ba'a sani ba