ولكن الرومانيين لم يقنعوا بذلك بل أرسلوا أمرا ثالثا طلبوا به من القرطجنيين أن يعطوهم كل ما لديهم من الأسلحة والمعدات الحربية المختلفة والمجانيق، ويرسلوها جميعا إلى المعسكر الروماني، فوقع هذا الطلب عند القرطجنيين وقوع الصاعقة، وصمم كثيرون على رفضه والمقاومة حتى الموت ولو مهما كانت النتيجة، وحالفهم آخرون في ذلك علما منهم باستحالة المقاومة مع ذلك الضعف الذي وصلوا إليه وأنهم خسروا كل شيء، فضلا عن أن أمهات الثلاثمائة ولد الذين أخذهم الرومانيون رهائن كن مشددات في إجابة مطاليب الرومانيين؛ محافظة على حياة أولادهن.
وفي النهاية غلب المقاومون على أمرهم، واضطروا إلى التسليم مع القائلين بإجابة الطلب، فجمعت الأسلحة وحملت على مركبات كبيرة إلى المعسكر الروماني، وكان في جملتها مائتا لباس مدرع وما لا يحصى من الدروع والمزاريق وألفا آلة حربية أو هي المنجنيق ترمي الأحجار والأخشاب الثقيلة على الأعداء - وهكذا جردوا قرطجنة من سلاحها.
إلا أن كل هذه المطاليب على ما فيها من الجور والحيف الذي ليس بعده، والتي استكبرها أهل قرطجنة كثيرا لم تكن سوى تمهيدة لما سيجيء بعدها من المطاليب التي أبقاها القنصلان كخاتمة لهذه المأساة، إذ عندما صارت الأسلحة والمعدات الحربية في معسكر الرومانيين، وأصبح القرطجنيون عزلا من أدوات القتال، أعلن القنصلان لهم أن إدارة مجلس الشيوخ الروماني تقضي بتدمير قرطجنة، وهكذا صدرت الأوامر إلى السكان بمغادرة المدينة التي حالما تصبح خالية من أهلها تضرم فيها النيران لإحراقها.
وأتاح الرومانيون للقرطجنيين احتمال ما يستطيعون أخذه معهم من الأثاث والريش والأمتعة، وسمحوا لهم أيضا بابتناء مدينة جديدة بدلا من مدينتهم هذه المحصنة القريبة من الشاطئ في داخلية البلاد، بحيث لا تكون أقل من عشرة أميال بعدا عن البحر، وألا تكون محصنة ولا يبنى حولها سور أو وسائل دفاع من أي نوع، وقال القنصلان إنه حالما تخلو المدينة من سكانها يجب أن تدمر بحيث لا يبقى فيها حجر على حجر.
فهال القرطجنيين هذا الطلب الذي لم يخطر لهم ببال، وأصبحت المدينة بمن فيها من الناس الذين تولتهم الحيرة واليأس والرعب كمأوى المجانين، ووجد القوم أنهم بإزاء هذا الطلب الجائر المتناهي في العتو وفقدان الشعور الإنساني غير قادرين على الانصياع والسكوت، فأسكتوا صيحات الأسر التي أخذ أبناؤها وشتموا كل من أشار بالإذعان، وثار ثائر الغضب في صدور السكان من أقصى المدينة إلى أقصاها.
وأغلقت البوابات واقتلع بلاط الشوارع وهدمت بعض المنازل، واحتملت الأحجار التي توفرت من ذلك التخريب إلى شرفات الأسوار؛ لتستعمل بدلا من السلاح ، وأطلق الأرقاء وأوقفوا على الأسوار ليساعدوا في الدفاع، وأرغم كل شخص ممن لهم إلمام بصنع السلاح على صنع السيوف والخناجر، وغير ذلك من أنواع الأسلحة التي يسهل اصطناعها بسرعة، فاستعملوا كل الحديد والنحاس الذي وجدوه، ولم يكتفوا بذلك، بل أذابوا كل الأواني والأنصاب والتماثيل الذهبية والفضية وحلوا بذائبها رءوس حرابهم.
ولما نفدت خيطان القنب التي كانوا يصنعون منها أوتارا لقسيهم، أقدمت الأمهات والزوجات والأخوات الحسان على جز شعورهن وبرمه أوتارا؛ ليقوم مقام الخيطان في إكمال الأقواس التي اصطنعها القوم لرمي السهام. وجملة القول أن القرطجنيين قد استفرغوا كل قواهم، وبلغوا من ذلك أقصى ما يستطيعه الاحتمال البشري، وعولوا بكل ما لديهم من قوة وعدة على مقاومة لا أمل لهم ببلوغ المآرب فيها مدفوعين إلى ذلك بجنون تولد عن جور أعدائهم المنقطع النظير.
ويذكر القارئ أن القائد أسدروبال بعد انكساره في محاربة مسانيا قد أضاع ما بقي له من النفوذ في قرطجنة، وأصبح حسب الظاهر مقهورا مهانا لا يجرؤ على الحراك، ولكن الأمر مع هذا الرجل كان على العكس من ذلك؛ فهو لم يكن خائر القوى ولا من المستسلمين الخانعين، بل جمع جيشه على مقربة من قرطجنة، وكان عدد جيشه يزداد على التوالي في غضون هاتيك الحوادث المؤلمة بمن ينضم إليه من مقاومي المسلطين في قرطجنة.
وكان يومئذ في معسكره غير البعيد عن المدينة يقود عشرين ألف رجل، فلما وجد القرطجنيون أنهم في ضيق شديد وفي حاجة ماسة إلى من يناصرهم أرسلوا إليه يستنجدونه، فلبى صوت الاستغاثة وبعث من فوره فجند رجال كل الأنحاء الخاضعة لقرطجنة، وجمع الأقوات والأسلحة من كل مكان وزحف بذلك الجيش لإنقاذ قرطجنة، وعندئذ اضطر الرومانيون بما لقوه من شدة مقاومة المعتصمين داخل الأسوار، وبطش المدافعين عنها من الخارج على التراجع مسافة قصيرة عن المدينة، واحتفار الخنادق والتحصن في معسكرهم محافظة على سلامتهم.
وأرسل أسدروبال الأقوات إلى المدينة وبعث سرا من ألقى في الميناء سفنا صغيرة مدهونة بالزيت، وأشعلها وسيرها طافية على وجه الماء بين سفن الرومانيين الطافية هنالك، فنجحت تدابيره إلى حد أن سفن الرومانيين أوشكت أن تحترق عن آخرها، وهكذا انقلبت الحالة بطنا لظهر ووجد الرومانيون أن آمالهم بفريستهم قد خابت في الوقت الحاضر، فانحصروا في معسكرهم وبعثوا الرسل إلى رومية يطلبون من مجلس الشيوخ النجدات والأقوات والمعدات.
Shafi da ba'a sani ba