على أن الأزواج والآباء قد شعروا بوجوب مقاومة تلك التضرعات؛ لأنهم وجدوا أنفسهم في حالة لا تساعدهم على مقاومة مشيئة الرومانيين، فجيشهم قد تبدد في عراكه مع الملك مسانيا، ومدينتهم قد أصبحت مجردة من وسائل الدفاع، وقد تدانى الأسطول الروماني من مينائهم، وأخذت الجنود الرومانية في النزول إلى البر؛ ولهذا فإنهم لم يجدوا لهم مناصا من القبول بكل الشروط القاسية التي قضى بها عليهم عدوهم القاهر، إذا هم أرادوا إنقاذ أنفسهم ومدينتهم من الهلاك الذي لا بد منه.
وطلب الرومانيون إرسال الفتيان القرطجنيين كرهائن في غضون ثلاثين يوما إلى جزيرة سيسيليا إلى ميناء في غربيها اسمه لليبوم، وكان ذلك الميناء في سيسيليا قريبا من قرطجنة يبعد عنها عبر بحر الروم نحو مئة ميل، وعند وصولهم إلى هناك يستقبلهم حرس روماني ويقتادهم إلى رومية. ومع أن الرومانيين قد أمهلوا القرطجنيين ثلاثين يوما في إرسال أولادهم؛ فإن أهل قرطجنة صمموا على القيام بذلك في الحال ليبرهنوا لرومية بهذه السرعة على إخلاصهم، ورغبتهم الشديدة في الحصول على مرضاتهم من كل وجه.
وهكذا انتخب الأولاد واحدا واحدا من كل أسرة شريفة في المدينة، إلى أن اكتمل عدد الثلاثمائة، وهنا يجب أن يتصور القارئ لذاته ما حصل من المشاهد التي يرق لها الجلمود في منازل الثلاثمائة أسرة عندما أدركت كل واحدة منها أن القضاء قد حل، وأنها مرغمة على تسليم ابنها ووحيدها للرومانيين، وعندما تم الاختيار واصطف أولئك الفتيان على الرصيف بقصد ركوب السفن إلى المنفى حدث هناك ما يفتت الأكباد.
فوقف أولئك الفتيان منذهلين مذعورين وقد تولاهم الخوف والحزن أنهم سيفارقون أعز ما لديهم في الوجود - آبائهم وأخواتهم ووطنهم - ويذهبون إلى حيث لا يعلمون بحراسة جنود حديدية القلوب، لا تشعر بأقل تأثر لحالتهم وحالة ذويهم، وبكت الأمهات وأكثرن من العويل وضممن أولئك الأولاد إلى صدورهن للمرة الأخيرة، وقد علت صيحاتهم حتى امتلأ بها الفضاء.
وكان الأخوة والأخوات وقوفا هناك - بعضهم قد أبكمه هول المشهد والبعض الآخر يصيح كالجريح المتألم، ومنهم من أصيب بالوجوم، فأجرى الدموع مدرارا بدون بكاء، وفي هذا منتهى الألم للمتأمل في مشهد لا قوة له على الإغاثة فيه، وكان الوالدون سكوتا يروحون ويجيئون كمن أصيب بجنة من هول الموقف، يكلم أحدهم الآخر همسا ويتلفظ بكلمات غير مفهومة، وأخيرا أخذوا الأولاد من أحضان أمهاتهم بطريقة اختلط فيها اللطف والعنف، وساروا بهم إلى السفن لركوبهم.
وشقت تلك السفن عباب البحر مبتعدة عن الشاطئ شيئا فشيئا، فرافقتها عيون الأمهات إلى أن غابت عن الأبصار، ومن ثم رجعن إلى بيوتهن يبكين ويأبين العزاء، وتلا هذا المشهد المحزن احتساب لما سيجد على المدينة وأهلها من جانب الجيش الروماني الذي كان زاحفا بخيله ورجله عليها، وما يفرضه من الشروط الجائرة المهينة على سكانها. فهو قد نزل إلى البر في يوتيكا وهي مدينة عظيمة شمالي قرطجنة، لا تبعد عنها كثيرا وعلى ذات الخليج.
ولما رأى أهل يوتيكا الجيش الروماني مقبلا أدركوا أن العراك واقع لا محالة، واستيقنوا من أن النتيجة ستكون وبالا على قرطجنة ودمارا لا نهوض لها بعده، فلكي ينجوا هم من هذا القضاء المبرم فكروا في الخلاص ورأوا أن أفضل وسيلة لذلك هي أن يعقدوا محالفة مع الرومانيين ويتخلوا عن قرطجنة بالكلية، وكانوا قد سبقوا فأرسلوا وفدا إلى رومية يعرضون عليها تسليم يوتيكا، فلم يتردد الرومانيون في إجابة سؤلهم، وهكذا جعلوا هذه المدينة ميناء لنزول جيشهم هناك للمسير إلى قرطجنة.
وحالما درى القرطجنيون بوصول جيش رومية إلى يوتيكا، أرسلوا يستفهمون عما يطلبه القنصلان منهم، ذلك لما علموه من أنهم مقيدون بشروط المعاهدة بالإذعان لكل إشارة تصدر من القنصلين، فلما وصل وفد قرطجنة إلى يوتيكا وجد مياهها غاصة بسفن الرومانيين؛ فكان هناك خمسون سفينة حربية لكل منها ثلاثة أجواق من المجذفين، وحولها عدد كبير من النقالات، ورأوا على البر معسكرا رومانيا فيه ثمانون ألفا من المشاة، وأربعة آلاف من الفرسان بالعدة التامة والسلاح الكامل.
فلما رأى الوفد ذلك أدرك لفوره أن القرطجنيين يعجزون عن مقاومة مثل تلك القوة الطامة، وهكذا سألوا والرعب يرجف منهم الأجسام ما هي أوامر القنصلين، فقال القنصلان إن مجلس الشيوخ الروماني يطلب من قرطجنة تقديم مقدار من الذرة لإطعام الجيش الروماني أول كل شيء، فعاد الوفد إلى قرطجنة يحمل إلى أهلها هذا الطلب، فلم ير القرطجنيون بدا من تلبية طلب الرومانيين؛ لأنهم مقيدون بمعاهدة وبأولادهم المرتهنين، وبما رأوه من حول الجيش القريب منهم وطوله، فأرسلوا الذرة في الحال.
وعلى أثر ذلك وجه القنصلان إلى القرطجنيين طلبا آخر، وهو أن يسلم أهل قرطجنة إلى الرومانيين كل سفنهم الحربية، فصعب هذا الطلب على القرطجنيين أكثر من الذي سبقه، وترددوا في الأمر كثيرا إلا أنهم لم يجدوا محيصا عنه فرضوا به بعدئذ مرغمين، وقد أملوا أن يكون ذلك آخر ما يطلبه الرومانيون، وأنهم عندما يرون أنهم قد أضعفوهم إلى هذا الحد يتركونهم ويعودون إلى بلادهم، حتى إذا ساعدت الأيام قرطجنة تعود وتبني أسطولا جديدا.
Shafi da ba'a sani ba