634

Tafsir Sadr al-Muta'allihin

تفسير صدر المتألهين

Yankuna
Iran
Iraq
Daurowa & Zamanai
Osmanniya
Daular Safawiyya

" هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي "

وقوله تعالى:

ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم

[هود:118 - 119].

وأما التوبيخ والتخويف والزجر والايعاد وما يقابلها - من التحسين والنصيحة والتعظيم والبشارة والوعد وغير ذلك - فهي من جملة الأسباب القدرية ومن المهيجات للدواعي والأشواق، والبواعث على الأغراض والحركات كسائر الأمور القدرية الواقعة تحت الأسباب القريبة التي للاختيار فيها مدخل - كما مر مرارا.

وأما عما ذكروه ثالثا: فبأن هذه الأفعال - كالكفر والإفك والصرف والإعراض - لها وجهان: وجه إلى الأسباب والدواعي الكلية العالية، ووجه إلى الدواعي والأسباب القريبة، كإرادة العبد وقدرته وشوقه وداعيته، سيما قدرته التي يتساوى بالنسبة إليها الطرفان.

فالسؤال بكيف، ولم وأين وأنى، وبسائر الكلمات الإستفهامية عمن لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء والأرض، ولا يخرج عن قدرته وسلطانه شيء من عالمي الملك والملكوت، إنما يكون بالقياس إلى الأسباب القريبة المكتنفة بفعل العبد، وبالنظر إلى العلوم الحادثة الزمانية المتجددة حسب تجدد، الأحوال والآجال، والأمكنة والأوضاع؛ وأما بالقياس إلى ذات الله القيوم، وعلمه المحيط بالكل، فلا كيف ولا أين ولا متى ولا وضع ولا لمية ، لأن هناك اضمحلت الكثرات، وطاحت الأيون والإشارات، وهلكت الأوضاع والكيفيات، فيصير الكل كلا شيء، والأمكنة تتضاءل من قهره كنقطة واحدة، والازمنة تنزوي بعضها إلى بعض من سطوته وهيبته، فتصير كآن واحد.

وأما عن الرابع: فبمثل ما وقع الجواب عن شبه إبليس المذكورة عنه، المنسوبة إليه في شرح الأناجيل الأربعة، فإنه قد ذكر هناك: " قد أوحى الله إلى ملائكته عليهم السلام قولوا له: إنك غير صادق فيما تقول: ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين، ما تحكمت علي بلم ".

فههنا أيضا نقول: لو علم - هذا المفروض كافرا - أن علم الله وإرادته وقدرته ومشيئته وقضاءه وقدره وخلقه، هي جارية في هذا العالم، حاكمة على كل شيء، وأن الله تعالى لا راد لحكمه، ولا مهرب من قضائه وحكومته، ولا منجي من سطوته ولا ملجأ من سلطانه، فلم يكن هذا المفروض كافرا كافرا، بل مؤمنا حقا، فإن من علم كيفية جريان إرادة الله وقضائه في عالمنا هذا بوجه عقلي برهاني، فلم يكن ممن ينسب الكفر والمعاصي والشرور - من حيث هي شرور وأعدام ونقائص وقوى وملكات - إلا إلى الأسباب القريبة الجسمانية، والاستعدادات الرديئة الظلمانية.

لأن من أساء علمه، أو أخطأ في اعتقاده، فإنما ظلم نفسه بظلمة جوهره وسوء استعداده، وكان أهلا للشقاوة في معاده - كما سبق -، لكن يعلم بقوة ايمانه أن سلسلة الأسباب لا بد وأن تعود إلى الأمور الإلهية القضائية، كما قال تعالى:

Shafi da ba'a sani ba