Tafsirin Jilani
تفسير الجيلاني
وبعدما ثبت تنزهه سبحانه من مضمون ما تنسبون بذاته أيها المفترون والمفرطون { فإنكم } أيها المعزولون عن مقتضى العقل الفطري والرشد الجبلي { و } أيضا { ما تعبدون } [الصافات: 161] من دون الله من الأصنام والأوثان.
{ مآ أنتم } وآلهتكم { عليه } أي: على الله { بفاتنين } [الصافات: 162] أي: مفسدين معرضين، صارفين عموم الناس عن عبادته وإطاعته سبحانه بإغوائكم وإغرائكم ضعفة الأنام، وتغريركم إياهم بعبادة الأصنام.
{ إلا من هو صال الجحيم } [الصافات: 163] أي: الذين حق عليهم القول وجرى عليهم حكمه سبحانه، ومضى قضاؤه بأنهم من أصحاب النار وأهل الجحيم، لا بد لهم أن يصلوها ويدخلوها بلا تردد وتخلف؛ يعني: ما يفيد إضلالكم وإغراؤكم إلا لهؤلاء المحكومين بالنار في أزل الآزال دون المجبولين على فطرة الإسلام والتوحيد.
ثم لما اتخذ بعض المشركين الملائكة آلهة، واعتقدوهم بنات الله، وعبدوا لهم كعبادته سبحانه، رد الله عليهم حاكيا عن اعتراف الملائكة بالعبودية، فقال سبحانه من قبل الملائكة: { و } كيف يلي بنا أن نرضى بما افترى المشركون علينا من استحقاق العبادة والشركة في الألوهية؛ إذ { ما منآ } أحد { إلا له مقام } في العبودية والتوجه نحن الحق { معلوم } [الصافات: 164] معين مقدر من عنده سبحانه، لا يسع له أن يتجاوز عنه بلا إذن منه سبحانه، بل يلازم كل منا مقامه لمقدر له من ربه، متوجها إليه سبحانه، منتظرا لأمره وحكمه بلا غفلة وفترة.
{ وإنا } معشر الملائكة { لنحن الصآفون } [الصافات: 165] على الاستقامة حول عرش الرحمن كصفوف الناس في المساجد، لا يسع لأحد منا أن يتعدى من مكانه مستقبلا أو مستدبرا { وإنا لنحن المسبحون } [الصافات: 166] المنزهون المقدسون لله الواحد الأحد الصمد عن توهم الكثرة والشركة مطلقا، الراسخون المتمكنون في مرتبة التنزيه والتقديس، فكيف يتأتى منا أن نرضى بمفتريات أهل الزيغ والضلال بنا؟! عصمنا الله عموم عباده عن زيغ الزائغين وضلالهم.
{ وإن كانوا } أي: قد كان أولئك الضالون المنهمكون في بحر الغفلة والضلال يعني: كفار قريش خذلهم الله { ليقولون } [الصافات: 167] على سبيل التمني والتحسر تشنيعا وتعييرا على من مضى من الأمم السالفة: { لو أن عندنا } ونزل عليها { ذكرا } كتابا { من الأولين } [الصافات: 168] أي: من جنس كتبهم كتابا سماويا منزلا من الله مثل كتبهم.
{ لكنا } حينئذ { عباد الله المخلصين } [الصافات: 169] أخلصنا العبادة له، ولا نتجاوز عن مقتضى ما جاءنا من عنده في كتابه، ولا نتعدى عن حكمه وحدوده وأحكامه، ولا نهمل عن عظته وتذكيراته، ونعتبر من قصصه وأمثاله، وبالجملة: نتعامل معه أحسن المعاملة لا كمعاملة سائر أصحاب الكتب.
ثم لما نزل عليهم ما هو أفضل الكتب تربية، وأكملها رشدا، وأشملها حكما، وأتمها وأبلغها حكمة وبرهانا، وأوضحها بيانا وتبيانا، فكفروا به، وأنكروا نزوله، وأعرضوا عنه وعن أحكامه، واستهزءوا بمن أنزل إليه وكذبوا رسالته { فكفروا به فسوف يعلمون } [الصافات: 170] آجلا وعاجلا جزاء ما يفعلون ويستهزئون، ويذوقون وبال ما ينكرون ويعرضون، ألا أنهم هم المفسدون لأنفسهم ولكن لا يشعرون، فسيعلمون أي منقلب ينقلبون.
[37.171-182]
{ و } كيف لا يعلمون ولا يذوقون العذاب أولئك المسرفون { لقد سبقت } أي: حقت وثبتت منا { كلمتنا } المشتملة على الوعد والنصر { لعبادنا المرسلين } [الصافات: 171] وهي قوله سبحانه:
Shafi da ba'a sani ba