622

Tafsirin Jilani

تفسير الجيلاني

Daurowa & Zamanai
Seljukawa

وبالجملة: { فلما بلغ معه السعي } للحوائج والمهمات المتعلقة لأمور المعاش، وصار يذهب ويجيء مع أبيه إلى الاحتطاب وسائل الأشغال، وكان أبوه ينتصر به في الأمور ويستظهر، وكان مشفقا له، رحيما عليه بحيث لا يفارقه أصلا من كمال عطفه وتحننه.

ثم لما بلغ عليه السلام في عطف ولده وارتباط قلبه به مع أنه متمكن في مقام الخلة مع ربه، غار عليه سبحانه فاختبر خلته، حتى رأى في المنام بإلقاء الله في متخيلته أن الله يأمره بذبح ولده إظهارا لكمال خلته، واصطبار ولده على البلاء، وإظهار حمله عند المصيبة، فانتبه عن منامه هؤلا من الواقعة الهائلة، فخيلها من أضغاث الأحلام، فاستغفر ربه وتعوذ من الشيطان، ثم نام فرأى أيضا كذلك، ثم استيقظ كذلك خائفا مرعوبا، ثم استغفر ونام، فرأى ثالثا مثلما رأى، فتفطن بنور النبوة أنه من الاختبارات الإلهية.

فأخذ بامتثال المأمور خائفا من غيرة الله وكمال حميته وجلاله ، كيف يطيق أحد أن يتخذ سواه محبوبا، سيما من اختاار الله لخلته واصطفاه لمحبته، فأمر ابنه بأن يأخذ الحبل والسكين؛ ليذهب إلى شعب الجبل للاحتطاب كما هو عادتاهما، فذهبا وقد اشتغل في صدره نار المحبة والخلة والإلهية، فشرع يظهر رؤياه لابنه ليختبره كيف هو.

{ قال يبني } ناداه وصغره تحننا وعطفا: { إني أرى في المنام أني أذبحك } بأمر الله إياي، تقربا مني إليه سبحانه، وهديا نحوه { فانظر } يا بني وتأمل { ماذا ترى } أي: أي أمر تفكر وتفتي في هذه الواقعة الهائلة أتصبر على بلاء الله أم لا؟.

وبعدما سمع ابنه ما سمع من الرؤيا { قال } معتصما بحبل التوفيق، راضيا بما جرى عليه من قضاء الله مسلما نحوه، مستقبلا مناديا لأبيه لينبئ عن كمال إطاعته له وانقياده لحكم ربه: { يأبت افعل ما تؤمر } من قبل الحق، فاذبحني في سبيل الله تقربا منك نحوه، وطلبا لمرضاته، ولا تلفت إلى لوازم الأبوة والنبوة، وكن أنت صابرا لبلاء الله بذبح ولدك بيدك بإذنه وفي سبيله { ستجدني } أيضا { إن شآء الله } وتعلق إرادته بأن اصبر على بلائه الذي هو قتل أبي إياي بيده { من الصابرين } [الصافات: 102] المتكنين على تحمل الشدائد والمصيبات الآتية من قبل الحق.

وبعدما تشاورا وتقاولا، فوضا الأمر إليه سبحانه، وانقادا لحكمه، ورضيا بقضائه طوعا ورغبة { فلما أسلما } أي: سلما واستسلما؛ أي: كل منهما أمره إلى ربه ووصلا الموقف والمنجر، توجه الخليل نحو الحق ناويا التقرب إليه سبحانه { وتله للجبين } [الصافات: 103] أي: صرع ابنه على شقه الأيمن امتثالا لأمر ربه مثل صرع البهائم حال الذبح، بعدما شد بالحبل يده ورجله، فأخذ الشفرة فأمرها على حلقه، فلم تمض ولم تعمل، فأخذ حجرا المحد فأحدها، ثم أمرها، ولم تمض أيضا، وهكذا فعل مرارا لم تعمل شيئا فتحير في أمره، قال له ابنه حنيئذ: يا أبت أكبني على وجهي فاذبحني من القفا؛ لئلا يمنعك من ذبحي رؤيتك وجهي ففعل كذلك فمل تمض.

{ و } بعدما جربناهما ووجدناهما على كمال التصبر والرضا بما جرى عليهما من القضاء { ناديناه } من مقام عظيم جودنا إياه ولطفنا { أن } أي: بأن قلنا له مناديا: { يإبراهيم } [الصافات: 104] المختص بخلتنا الراضي بمصيبتنا، قد صدقت الرؤيا وامتثلت بالمأمور، ورضيت بذبح ولدك لرضانا، واختبرناك به فوجدناك متمكنا على مرتبة الخلة والتوحيد، فقد أتيت مخلصا ما طلبنا منك، كان لك من الفضل والعطاء منا جزاء لفعلك ما لم يكن لأحد من بني نوعك؛ لإخلاصك في أمرك وصحة عزيمتك وخلوص طويتك في نيتك.

ثم قال سبحانه على سبيل العظة والتذكير لعباده بمقتضى عظيم جودنا: { قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك } أي: مثل ما جزينا إبراهيم ونجيناه من الكرب العظيم { نجزي } جميع { المحسنين } [الصافات: 105] المخلصين في حسناتهم ونياتهم، في جميع أعمالهم وحالاتهم.

ثم قال سبحانه: { إن هذا } المأمور لإبراهيم الأواه الحليم من ذبح ولده في طريق الخلة مع ربه { لهو البلاء المبين } [الصافات: 106] الظاهر صعوبته وشدته على عموم المكلفين.

وبعدما عزم عليه بالعزيمة الخالصة الصحيحة، وأقدم على امتثاله عن محض الاعتقاد وصميم الفؤاد إلى حيث لو لم نمنع مضاء شفرته، مع أنه بالغ في إمرارها بقوة تامة، وأحدها مرارا لذبحه ألبتة، فمنعناها بعدما ظهر إخلاصه لدينا.

Shafi da ba'a sani ba