601

Tafsirin Jilani

تفسير الجيلاني

Daurowa & Zamanai
Seljukawa

بل { إن كانت } أي: ما كانت علة هلاكهمه { إلا صيحة واحدة } أي: ما وقعت وصدرت منا لإهلاكهم إلا صيحة واحدة - على القراءتين بالرفع والنصب - وذلك أنا بمقتضى قهرنا وجلالنا أمرنا جبريل عليه السلام بأن يأخذ بعضادة باب مدينتهم، فأخذ وصاح عليهم مرة واحدة { فإذا هم خامدون } [يس: 29] أي: فاجئوا جميعا على الخمود والجمود بعدما سمعوا الصيحة الهائلة؛ يعني: صاروا كالرماد بعدما كانوا أحياء كالنار المشتعلة الساطعة.

ثم قال سبحاه من قبل عصاة عباده، المأخوذين بشؤم ما اقترفوا من المعاصي والآثام: { يحسرة } وندامة وكآبة عظيمة وحزنا شديدا { على العباد } المصرين على العناد بعدما عاينوا العذاب الدنيوي أو الأخروي النازل عليهم حتما بسبب إنكارهم على الرسل والمرسل جميعا، وتكذيبهم بجميع ما جاءوا به من عند ربهم، ولس لهم حنيئذ قوة المقاومة والمدافعة؛ لذلك صاروا حيارى، سكارى، هائمين، متحسرين بلا ناصر ومعين وشفيع حميم من نبي ورسول كريم؛ إذ { ما يأتيهم من رسول } في نشأتهم الأولى يصلح أحوالهم وأعمالهم لئلا يترتب عليهم الوبال والنكال الموعود في النشأة الأخرى { إلا كانوا } من غاية كبرهم وخيلائهم { به } أي: بالرسول المصلح المرشد لهم { يستهزئون } [يس: 30] ويستحقرونه ويستنكفون عن قبول دينه ودعوته، وينكرون عليه كهؤلاء المسرفين المشركين معك يا أكمل الرسل.

{ أ } يستهزئون معك - يعني: أهل مكة - وينكرون بدينك وكتابك { لم يروا } ولم يخبروا ولم يعلموا { كم أهلكنا } أي: كثرة إهلاكنا واستئصالنا { قبلهم من القرون } الماضية، ولم يعتبروا مما جرى عليهم بشؤم تكذيبهم وإنكارهم على رسله مع { أنهم } أي: الأمم الهالكة السالفة { إليهم لا يرجعون } [يس: 31] أي: لا يرجعون إلى هؤلاء المفسدين، المسرفين في تكذيبك وإكارك يا أكمل الرسل في نشأتهم هذه، بل مضوا وانقرضوا إلى حيث لم يعودوا إلى ما كانوا، وهؤلاء أيضا سينقرضون إثرهم، ولم لم يتنبهوا ولم يعتبروا مما جرى عليهم مع أنهم إن أخذوا صاروا كأن لم يكونوا شيئا مذكورا أمثالهمه؟!.

{ و } بالجملة: { إن كل } أي: ما كل من الفرق والأحزاب المنقرضة عن الدنيا عن التعاقب والترادف مردودون إليها، مجتمعة في وقت من الأوقات، بل { لما جميع لدينا محضرون } [يس: 32] يعني: لا يجتمعون إلا عندنا ولا يحضرون جميعا إلا لدنيا في يم العرض والجزاء، وفي حضرة علمنا ولوح قضائنا.

وبالجملة: لا اجتماع لهم بعد انقراضهم ما داموا مسجونين في سجن الإمكان، مقيدين بسلاسل التعينات وأغلال الهويات والأنانيات، بل متى خلصوا عن مضيق الطبيعة وانخلعوا عن لوازمها، حضروا واجتمعوا، بل وصلوا واتصلوا، وحنيئذ لم يبق الفرق، وصاروا ما صاروا .

لا إله إلا هو ولا موجود سواه، هذا على قراءة " لما " بالتشديد، وأما على قراءة من قرأ بالتخفيف " إن " حينئذ مخففة من الثقيلة، و " ما " في " لما " مزيدة للتأكيد، واللام للفرق بين المخففة والنافية، والمعنى: أنه - أي: الشأن - كل من الأمم الهالكة السالفة مجموعون ألبتة لدينا، محضرون عندنا يوم الجزاء، أو في حضرة لاهوتنا بعد انخلاعهم عن لوازم ناسوتهم.

{ وآية } عظيمة منا، دالة على كمال قدرتنا على جمعهم وإحضارهم يوم الجزاء { لهم } أن يستدلوا بها على صدقها { الأرض الميتة } اليابسة الجامدة، التي { أحييناها } وأحضرناها في وقت الربيع بإنزال قطرات الماء المترشحة من بحر الحياة عليها { وأخرجنا منها حبا } أي: جنسا من الحبوبات التي يقتاتون بها { فمنه يأكلون } [يس: 33] وبه يعيشون وينعمون، كذلك في النشور أحيينا الأبدان المائتة الجامدة البالية، المتلاشية في أراضي الأجداث بإنزال الرشحات الفائضة من بحر حياة الوجود بمقتضى الجود، فأعدناهم أحياء كما أبدعناهم أولا من العدم.

{ و } أيضا من جملة الآيات التي تدعل على كمال قدرتنا: إنا { جعلنا فيها } أي: في الأرض { جنات } بساتين ومتنزهات مملوءة { من نخيل وأعناب } ومن سائر ما يتفكهون به؛ تتميما لتنعمهم وترفههم { وفجرنا } أي: أخرجنا وأجرينا { فيها } أي: في خلال البساتين { من العيون } [يس: 34] والينابع الجارية التي لا صنع لهم في إجرائها وإخراجها؛ عناية منا إياهم، إبقاء لنضارتها ونزاهتها.

كل ذلك { ليأكلوا من ثمره } أي: من ثمر ما ذكر وقوته، ويقوموا أمزجتهم بأنواع ما وهبنا عليهم من النعم حتى يقوموا ويواضبوا على شكرها؛ أداء لحقوقنا إياهم { و } كذا علمناهم وأقدرناهم على عموم { ما عملته أيديهم } من العقارات والمزارع والبساتين وإجراء الأنهار والقنوات وحفر الآبار { أ } ينكرون على كمال قدرتنا ووفور حولنا وقوتنا { فلا يشكرون } [يس: 35] نعمنا الفائضة إياهم على التعاقب والتوالي ولا ينسبونها إلينا، بل ينسبونها إلى الوسائق والأسباب العادية جهلا وعنادا، وطغيانا كفرا.

[36.36-40]

Shafi da ba'a sani ba