ولنردد ها هنا، مرة أخرى، بعض أمثلة هذه الطريقة كما تستخلص من هذا الكتاب: (1) «أعني بمعونة الله، النظام الضروري الثابت للطبيعة أو سلسلة الحوادث الطبيعية ... بحيث إن القول بأن كل شيء يحدث وفقا للقوانين الطبيعية، والقول إن كل شيء مكتوب بأمر الله، يعنيان في رأيي شيئا واحدا ... وعلى ذلك فإن كل ما تستطيع الطبيعة البشرية أن تزود به نفسها، بجهودها الخاصة، لحفظ وجودها، يصح أن يطلق عليه اسم المعونة الإلهية الباطنة، بينما أن كل ما يعود على الإنسان بالنفع من علل خارجية يمكن أن يسمى بالمعونة الإلهية الخارجية (الظاهرة).»
7 (2)
وفي موضع آخر يرى اسپينوزا أن السعي إلى معرفة الله [أي فهم استمرار الطبيعة] يمكن أن يسمى أمرا إلهيا؛ لأن الفكرة الإلهية كامنة فينا، وهي التي تدفعنا إلى هذا السعي.
8
ومعنى ذلك أن الأمر الإلهي في رأيه كامن في الإنسان، ليس له أي مصدر خارجي، وهو أمر يصدره الإنسان لنفسه في سبيل تحقيق أشرف غاياته، وهي الفهم العقلي للأشياء. (3)
ويعرف اسپينوزا الإيمان بأنه «معرفة لله، بدونها تستحيل طاعته، وقد يتمثل في هذه الطاعة وحدها.»
9
وقبل ذلك بصفحات قلائل يقول: «إن طاعة الله لا تكون إلا في حبنا للجار.»
10
أي إن طاعة الله إنما تكون في حسن معاملة الناس فحسب؛ وعلى ذلك يكون معنى التعريف الأول هو: الإيمان معرفة لله، بدونها تستحيل المعاملة الطيبة للناس، ويتمثل في هذه المعاملة وحدها. والتعريف، في صورته الحقيقية هذه، يوحد بين الإيمان وحسن التعامل مع الناس، وبالتالي لا يجعل لاختلافات مضمونات العقائد أي أثر فيه. وقد يقال إن هذه أفكار توجد صراحة في كثير من العقائد. وهذا أمر لا ننكره، ولكنه ليس هو الموضوع الأساسي في هذا المجال، وإنما الموضوع الأساسي هو: هل يوحي التعريف الأول الذي أوردناه ها هنا، في ظاهره، بمثل هذه المعاني؟ ألا يبدو في مظهره تعريفا متمشيا مع جميع التقاليد اللاهوتية، ولا يستطيع أشد اللاهوتيين تمسكا بالحرفية أن يأخذ عليه أي مأخذ؟ (4)
Shafi da ba'a sani ba