3
الأمر الذي لا شك فيه، أن هذا المنهج التفسيري الذي اتبعه اسپينوزا في هذا الكتاب، ووقوفه من النصوص الدينية موقف الباحث العلمي الموضوعي الذي لا يحكم إلا على أساس ما يمليه عقله - لا ما تمليه مشاعره أو عواطفه - كان مرتبطا أوثق الارتباط بدعوته إلى حرية التفكير والبحث، التي جعلها هدفا لذلك الكتاب. ونستطيع أن نقول إنه في هذه الدعوة الأخيرة أيضا - لا في دعوته إلى التفسير العلمي للنصوص الدينية فحسب - قد استبق أشد الاتجاهات تحررا في العصر الحديث، وأنه يعد مبشرا بأفكار لم تبدأ في التبلور إلا منذ عهد الثورة الفرنسية على الأقل.
4 (1-1) أسلوب البحث اللاهوتي السياسي
يبدو، لأول وهلة، أن الأسلوب المسترسل الذي كتب به اسپينوزا «البحث اللاهوتي السياسي» لا يتيح له اتباع الطريقة غير المباشرة في الكتابة، التي كان يساعده عليها، إلى حد بعيد، منهجه الهندسي في كتاب «الأخلاق»، وبالفعل كانت آراء اسپينوزا في «البحث اللاهوتي السياسي» صريحة إلى حد غير قليل، وكان ذلك الكتاب، كما قلنا، هو المسئول الأول عن شهرة اسپينوزا في عصره، وفي العصر التالي له مباشرة، بالمروق.
ومع ذلك فإن المرء يستطيع أن يدرك في هذا الكتاب أيضا نوعا من التحفظ في الكتابة . ويكاد المرء يشعر، كلما أمعن قراءة هذا الكتاب، بأن اسپينوزا لو كان قد ترك نفسه يعبر مباشرة عن آرائه الحقيقية، دون أن يفرض على نفسه أي قيد، لجاء هذا الكتاب - الذي هو في صورته الراهنة من أجرأ الكتب بالنسبة إلى عصره - أشد عنفا من ذلك بكثير، ولاختفت منه تماما أية مسحة لاهوتية قد تظهر فيه من آن لآخر، ولسنا نحن وحدنا الذين نقول بهذا الرأي، بل إن «ليوشتراوس» - كما ذكرنا من قبل - يؤكده أيضا، كما أحس «ماتيو أرنولد» بنفس الشعور حين قال معلقا على «البحث اللاهوتي السياسي»: «من المهم أن نلاحظ أنه (أي اسپينوزا) لا يعبر فيه أي موضع بوضوح عن رأيه في الطابع الأساسي للإنجيل؛ فهو يأخذ الإنجيل على حاله، مثلما ينظر إلى الظواهر الطبيعية، ويناقشه كما يجده ... وإذ يمضي اسپينوزا على أساس هذا المبدأ، فإنه يترك القارئ اليقظ حائرا وساخطا إلى حد ما ... إذ نشعر بأنه يبدأ مما هو بالنسبة إليه فرض، ونريد أن نعرف رأيه الحقيقي في هذا الفرض. وكل ما يأتي به إلينا من تجديدات إنما ينحصر في الحدود التي رسمها له هذا الفرض.»
5
وفي موضع آخر من المقال نفسه يقول «ماتيو أرنولد»: «لا يستطيع أي شخص ذكي أن يقرأ البحث اللاهوتي السياسي دون أن «يشعر» بأن الكتاب يفتقر، بمعنى ما، إلى أساس، ويفتقر إلى دعائم، وبأن هذا الأساس وهذه الدعائم لا توجد، على أية حال، في الكتاب نفسه، وإنما ينبغي، إذا كانت موجودة ، أن تلتمس في الكتب الأخرى للمؤلف.»
6
وبالفعل نجد أمورا أساسية يسلم بها في كتاب «البحث اللاهوتي السياسي» دون مناقشة تؤديها أو تعارضها، ولا يمكن أن يفهم رأي اسپينوزا فيها إلا بالرجوع إلى كتاب «الأخلاق» على الأخص. ونستطيع أن نقول إن الكتابين، على هذا الأساس، متكاملان؛ فكتاب «الأخلاق»، وإن يكن مكتفيا بذاته بكل ما لهذه الكلمة من معنى، يبحث في الأسس والدعائم الأولى للفكر النظري وللأخلاق، و«البحث» يعالج ميدانا تطبيقيا هو موقع الدين في الدولة، ولكن كثيرا من المشاكل التي تركت فيه دون جواب لا يمكن أن تفهم إلا بالرجوع إلى ما قيل عنها في الأخلاق.
ويتضمن كتاب «البحث اللاهوتي السياسي» شواهد عديدة، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، على أن اسپينوزا بذل في هذه الحالة أيضا مجهودا لتخفيف وقع آرائه باصطناع لغة لاهوتية ظاهرة للتعبير عن معان مخالفة تماما للمعاني اللاهوتية. وكما قلنا من قبل في صدد الكلام عن المنهج، فإذا كان قد استخدم المنهج الهندسي في الأخلاق وسيلة لتحقيق هذه الغاية، فإنه يستخدم هنا ما يمكن أن يعد فرعا للمنهج الهندسي، وهو ما أسميناه «بطريقة المعادلات»، للوصول إلى هذه المعاني المزدوجة.
Shafi da ba'a sani ba