صلاة الجمعة
صلاة الجمعة
Mai Buga Littafi
مطبعة سفير
Inda aka buga
الرياض
Nau'ikan
ميقات واحد (١)،وهذا هو الأفضل والأكمل والأحوط (٢).
_________
(١) المغني لابن قدامة، ٣/ ١٥٩ - ١٦٠،والشرح الكبير مع المقنع والإنصاف،٥/ ١٩٠.
(٢) اختلف العلماء في أول وقت صلاة الجمعة هل يجوز قبل الزوال، أو لا يجوز إلا بعده. قال الإمام القرطبي ﵀ على قوله: «كنا نجمع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس» دليل للجمهور على أحمد بن حنبل وإسحاق، إذ قالا: إنه يجوز أن تصلى الجمعة قبل الزوال، وهذا الحديث مبين للأحاديث التي بعده، ولا متمسك لأحمد وإسحاق في شيء منها مع هذا النص، فإنها كلها محتملة، وهو القاضي عليها المبيِّن لها» [المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٢/ ٤٩٥].
وقال الإمام النووي ﵀: «وهذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماهير العلماء: من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم لا تجوز الجمعة إلا بعد الزوال، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل، وإسحاق، فجوّزاها قبل الزوال، قال القاضي: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء إلا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فواتها أو فوت التبكير إليها، وقوله: «نتتبع الفيء» إنما كان ذلك لشدة التبكير، وقصر حيطانه، وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير، وقوله: «ما نجد فيئًا نستظل به» موافق لهذا؛ فإنه لم ينف الفيء من أصله، وإنما نفى ما يستظل به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به» [شرح النووي على صحيح مسلم،٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨].
وقال الإمام ابن الملقن عن حديث سلمة بن الأكوع ﵁: «فيه دلالة على أن وقت الجمعة وقت الظهر لا يجوز إلا بعد الزوال، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماعة العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ولم يخالف في ذلك إلا أحمد وإسحاق، فقالا: بجوازها قبل الزوال، قال الخرقي في السادسة تمسكًا بهذا الحديث» [الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ٤/ ١٧٩].
وقال الخرقي: «وإن صلوا الجمعة قبل الزوال في الساعة السادسة أجزأتهم» قال الإمام ابن قدامة: «وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجوز صلاتها فيما قبل السادسة، وروي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية، أنهم صلوا قبل الزوال. وقال القاضي وأصحابه: يجوز فعلها في وقت صلاة العيد، وقال مجاهد: ما كان للناس عيد إلا في أول النهار، وروي عن ابن مسعود، ومعاوية أنهما صليا الجمعة ضحى، وقالا: إنما عجلنا خشية الحر عليكم، ولأنها عيد فجاز في وقت العيد: كالفطر والأضحى، والدليل على أنها عيد قول النبي ﷺ: «إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين ...» [ابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، ١/ ٣٢٦] وقوله ﷺ: «قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان» [أبو داود وغيره، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٩٦] وقال أكثر أهل العلم: وقتها وقت الظهر إلا أنه يستحب تعجيلها في أول وقتها؛ لقول سلمة بن الأكوع: «كنا نجمع مع النبي ﷺ إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء» متفق عليه. وقال أنس: كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس. رواه البخاري؛ ولأنهما صلاتا وقت فكان وقتهما واحدًا، كالمقصورة والتامة؛ ولأن إحداهما بدل عن الأخرى، وقائمة مقامها، فأشبها الأصل المذكور؛ ولأن آخر وقتهما واحد، فكان أوله واحدًا: كصلاة الحضر والسفر. ولنا على جوازها في السادسة: السنة والإجماع، أما السنة فما روي عن جابر بن عبد الله قال: «كان رسول الله ﷺ يصلي - يعني الجمعة - ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس». أخرجه مسلم. وعن سهل بن سعد قال: «ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة في عهد رسول الله ﷺ». متفق عليه. قال ابن قتيبة: «لا يسمى غداء، ولا قائلة بعد الزوال». وعن سلمة بن الأكوع قال: «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فيء نستظل به». رواه أبو داود. وأما الإجماع فروى الإمام أحمد عن وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد الله بن سيدان قال: «شهدت يوم الجمعة مع أبي بكر، وكانت صلاته وخطبته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، وكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك ولا أنكره» [رواه الدارقطني،
٢/ ١٧، وقال في التعليق المغني على الدارقطني: رواته كلهم ثقات إلا عبد الله بن سيدان متكلم فيه ... قال البخاري: لا يتابع على حديثه، وقال أبو القاسم اللالكائي: مجهول، وقال ابن عدي شبه مجهول ...] وكذلك روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية أنهم صلوا قبل الزوال، وأحاديثهم تدل على أن النبي ﷺ فعلها بعد الزوال في كثير من أوقاته، ولا خلاف في جوازه، وأنه الأفضل، والأولى، وأحاديثنا تدل على جواز فعلها قبل الزوال، ولا تنافي بينهما، وأما في أول النهار، فالصحيح أنها لا تجوز؛ لما ذكره أهل العلم؛ ولأن التوقيت لا يثبت إلا بدليل: من نص أو ما يقوم مقامه، وما ثبت عن النبي ﷺ ولا عن خلفائه أنهم صلوها في أول النهار؛ ولأن مقتضى الدليل كون وقتها وقت الظهر، وإنما جاز تقديمها عليه بما ذكرنا من الدليل، وهو مختص بالساعة السادسة فلم يجز تقديمها عليها، والله أعلم؛ ولأنها لو صليت في أول النهار لفاتت أكثر المصلين؛ لأن العادة اجتماعهم لها عند الزوال، وإنما يأتيها ضحىً آحاد من الناس وعدد يسير، كما روي عن ابن مسعود أنه أتى الجمعة فوجد أربعة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد. إذا ثبت هذا فالأولى أن لا تصلى إلا بعد الزوال؛ ليخرج من الخلاف، ويفعلها في الوقت الذي كان النبي ﷺ يفعلها فيه في أكثر أوقاته، ويجعلها في أول وقتها في الشتاء والصيف؛ لأن النبي ﷺ كان يعجلها، بدليل الأخبار التي رويناها؛ ولأن الناس يجتمعون لها في أول وقتها، ويبكرون إليها قبل وقتها، فلو انتظر الإبراد بها لشق على الحاضرين، وإنما يجعل الإبراد بالظهر في شدة الحر رفعًا للمشقة التي يحصل أعظم منها بالإبراد بالجمعة» انتهى كلام ابن قدامة. [المغني، ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٢]، وانظر: الشرح الكبير، ٥/ ١٨٦ - ١٩٠، والإنصاف للمرداوي، ٥/ ١٨٥ - ١٩٠]. ومما يستدل به على أن الجمعة تصح في الساعة السادسة قبل الزوال بساعة حديث أبي هريرة ﵁: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ثم ذكر: الثانية، والثالثة، والرابعة، ثم الخامسة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر، فيكون حضور الإمام على مقتضى حديث أبي هريرة في الساعة السادسة [انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين، ٥/ ٤١].
وذكر العلامة ابن عثيمين ﵀ الأقوال الثلاثة:
القول الأول: أول وقت صلاة الجمعة وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس، ثم قال: بأن أثر عبد الله بن سيدان ضعيف كما تقدم، وإن صح فليس فيه دليل؛ لأن قوله: كانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار يدل على أنها قريبة من النصف، ولو كانت في أول النهار، لقال: كانت صلاته في أول النهار، وهذا يدل على أن صلاة أبي بكر ﵁ كانت قريبة من الزوال، والقول بأن صلاة الجمعة تصح قبل الزوال هو المذهب، بل هو من المفردات.
القول الثاني: أنها لا تصح إلا بعد الزوال، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة.
القول الثالث: أنها تصح في الساعة السادسة قبل الزوال بساعة استنادًا لحديث أبي هريرة: «من راح في الساعة الأولى» ... وهذا القول هو الراجح أنها لا تصح في أول النهار إنما تصح في السادسة، والأفضل على القول بأنها تصح في السادسة أن تكون بعد الزوال وفاقًا لأكثر العلماء. [الشرح الممتع، ٥/ ٤١ - ٤٢].
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز ﵀ يقول على حديث سلمة بن الأكوع ﵁: «وهذا الحديث يدل على أن وقتها وقت الظهر، لكن بمراعاة التبكير في أول وقت الظهر، وبهذا قال جمهور أهل العلم، وقال آخرون: يجوز أن تقدم قبل الزوال، واختلفوا: فبعضهم قال: يكون وقتها بعد ارتفاع الشمس، وقال آخرون: الساعة السادسة قُبيل الزوال، وهذا أظهر؛ لما جاء في الأحاديث الصحيحة من فضل التبكير، وأن في الساعة السادسة يخرج الإمام، والساعة السادسة قُبيل الزوال، والتبكير بالجمعة قبل الزوال لا حرج فيه [يعني في الساعة السادسة] والأحوط، والأولى، والأفضل الخروج من الخلاف، وأن تصلى بعد الزوال عملًا بالأحاديث كلها، وخروجًا من الخلاف، واحتياطًا لهذه العبادة العظيمة» [سمعته من سماحة الإمام ﵀ أثناء تقريره على بلوغ المرام، الحديث رقم ٤٧٠، وأثناء تقريره على صحيح مسلم، الحديث رقم ٨٥٨، وسمعته مرة يضعف القول بأن أول وقت الجمعة بعد ارتفاع الشمس كصلاة العيد].
وقال الإمام الشوكاني عن قول الجمهور: لا تصح الصلاة قبل الزوال حتى في الساعة السادسة: «واستدلالهم بالأحاديث القاضية بأنه ﷺ صلى الجمعة بعد الزوال لا ينفي الجواز قبله» [نيل الأوطار، ٢/ ٥٣٩].
1 / 99