وبعد ذلك أمرني بالانصراف ومن ثم انصرف الجميع.
ولقد سألت أحد أصدقائي عما قاله الخليفة بعد خروجي، فأخبرني بأن الخليفة اعتبر الرجل كذابا، ولكن لا يخلو الحال من أن يكون في دعواه بعض أشياء حقيقية. وقد قال لي أيضا: «لا بد أن يكون لك أعداء بالقاهرة، وهذا الرأي سبق أن طرأ لي.»
ولكن ما الحيلة وما العمل وأنا أرى أن خصومي يوقعون بي كل يوم ويجعلون مركزي من أحرج المراكز؟ فصرت أفكر دائما في هذه المواقف، وصرت أفكر أيضا في علاقاتي مع الخليفة، وكيف أنها ستتأثر بهذه الوشايات بطبيعة الحال.
وإن ضيقتي من أنه أصبح بعد كل هذا يتحين لي فرصة للانتقام؛ لأني على ما أعتقد أصبحت في نظره العدو اللدود في ثوب الصديق الحميم، ولكن على كل حال أحمد الله، ومن يعش ير.
وقد قابلت في اليوم التالي وأنا عائد إلى المنزل بعد تأدية الصلاة «القرباوي»، وهو الذي خلف «عدلان» في بيت المال، فحادثني بكل لطف قائلا لي - بعد أن قلت له إنك تزورنا نادرا: «لقد جئت لأقلقك بطلبي إليك بأن تخلي منزلك اليوم، وسأعطيك بدله في جنوب شرقي المسجد؛ حيث يستقبل زوار الخليفة. وهو ولو أنه يقل عن مساحة منزلك إلا أنه بقرب المسجد ويصلح لرجل عابد مثلك.»
فقلت له: «إني أوافق على ذلك بكل سرور، ولكن أرجوك أن تقول لي بصفة خاصة من الذي أرسلك، الخليفة أم يعقوب؟» فأجابني وهو يضحك قائلا: «آه، هذا سر، ولكن من حديثك أمس مع الخليفة يمكنك أن تعلم حقيقة السبب؛ وهو أن مولانا الخليفة يريد أن يجعلك في مكان قريب منه حتى تكون تحت رقابته مباشرة؛ حيث ستكون على بعد 200 خطوة منه.»
ثم قال لي: «إذن متى أحضر لاستلام منزلك؟» فقلت له: «سأنتهي من النقل في مساء هذا اليوم، ولربما كان نقل مئونة حصاني وبغلي هي التي تستغرق مني وقتا أطول. وهل المنزل الذي سأذهب إليه غير مسكون؟» فأجابني: «نعم بطبيعة الحال، وقد أصدرت الأوامر بأن ينظف وتعمل الإصلاحات اللازمة له، ولكن يحسن بك أن تبتدئ في مغادرة هذا المنزل حالا، وآمل أن تكون سعيدا في منزلك الجديد أكثر مما أنت عليه من السعادة هنا.»
ولقد وضح لي الآن جليا أن ثقة الخليفة بي قد تزعزعت وأصبح لا يثق بي لأن أكون بجوار مخزن البارود، وعلى ذلك حزمت متاعي، وأمرت الخدم بنقله إلى المنزل الجديد، فتأثر الخدم وأخذوا يطلبون إلى المولى أن يوقع كل اللعنات على الخليفة؛ حيث نترك منزلنا الذي أصلحناه وغرسنا فيه الأشجار وحفرنا فيه الآبار. ولكني على كل حال غادرت المنزل مؤملا فيما قاله القرباوي من أني سأكون بمنزلي الجديد أسعد حالا مني في المنزل الذي أنا فيه.
وقد أصبحت حالي بعد ذلك مضطربة وأصبح مركزي مزعزعا.
ولقد تقابلت اتفاقا مع تاجر من دارفور جاب الديار المصرية والبلاد السورية، وعرف كثيرا من أجناس البشر المختلفة، وقد عرف لأول وهلة أني نمساوي الأصل، وأخذ يحدثني - وعلم بأني أسير من مدة طويلة ولا صلة لي بأي مخلوق - عن الأحوال في القطر المصري، وأعطاني بعض الجرائد المصرية القديمة، وتحتوي إحدى تلك الصحف على أخبار من النمسا. ولما توجهت إلى المنزل وابتدأت أقلب صفحاتها، علمت أول ما علمت أن ولي عهدنا الأمير رودلف قد توفي، ولا يمكنك أيها القارئ أن تتصور مقدار الحزن الذي حل بي؛ فقد خدمت معه في الجيش. وقد كان بودي أن أرجع إلى وطني وأبلغه، بعد طول الأسر، أن أشرف ساعات قضيتها في حياتي هي تلك الساعات التي كنت فيها تحت إمرته، وأعظم شرف لي أن أنتمي إلى الفرقة الإمبراطورية. ولقد فكرت طويلا فيما عساه أن يكون قد أصاب إمبراطورنا العظيم بفقد ولده.
Shafi da ba'a sani ba