وبعد مدة أرسلت فاطمة البيضاء إلى أمها وكلفتها بالانتظار هناك حتى أبعث إليها. وعرف سعد الله دار أمها، فبعد مدة أرسلت لها ولأمها ملابس ونقودا ورسالة أخبرتها فيها بأنها أصبحت طليقة غير خاضعة لأوامري.
وأخبرت الخليفة بذلك قائلا له إن أمثال هؤلاء القوم الغرباء عنه وعني لا يجوز أن يكون لي صلة بهم، وإني دائما أبدا على استعداد تام لإطاعة أوامره.
وبعد مضي سنة تقريبا جاءتني الأم تستأذنني في زواج بنتها من أحد أقاربها، فوافقت على ذلك بسرور تام، وقد تركت فاطمة البيضاء في أم درمان سعيدة بين أولادها.
الفصل الرابع عشر
تشتت وتفرق
قد عين حاكما لدنقلة عدوي خالد الذي كان مسجونا منذ بضعة أشهر، وقد حل محل يونس، إلا أنه لم يمض شهران على هذا التعيين حتى ذهب ضحية الدسائس التي كان يدسها له اثنان من أبناء عم الخليفة كانا قد ذهبا لمراقبة حركاته وأفعاله. وقد استدعاه الخليفة ثانية إلى أم درمان ووضعه مرة ثانية في الأغلال، فهذا العمل كان من شأنه أن زاد هياج أقارب المهدي وأنصاره، وعقب ذلك اتفاق الخليفة محمد شريف واثنين من أولاد المهدي لم يبلغا العشرين من عمرهما مع كثيرين من الأقارب على أن يعملوا جميعا للقبض على ناصية الحكم وكبح جماح الخليفة عبد الله، وفعلا أخذوا في إعداد الخطة اللازمة سرا في أم درمان، وبدءوا كذلك يستميلون الأصدقاء وأبناء القبائل، وأرسلوا كتبهم إلى «الدناجلة» القاطنين بالجزيرة يدعونهم للحضور إلى أم درمان للانضمام إليهم. ولكن حدث أن أحد الأمراء الجعليين، الذي كان قد أقسم بألا يبوح لأحد بشيء إلا لأخيه وأعز صديق عنده، خدع القوم وخانهم، وذهب يطلع الخليفة على الأمر، معتبرا إياه أقرب الأصدقاء، فلما وقف الخليفة عبد الله على سر هذه المؤامرة أخذ يعد المعدات لإحباطها، إلا أن جواسيس الأشراف عندما عرفوا أن مؤامرتهم انكشفت وعرفوا ما يدبره لهم الخليفة، اجتمعوا في جزء من المدينة واقع في شمالي بيت الخليفة واستعدوا للمعركة.
وأما أنا نفسي فقد كنت مشتاقا لرؤية هذه المعركة فما أخشاه وحياتي كانت كل يوم في خطر، وأن أمام نظري حادثة عدلان الذي كان الصديق الحميم للخليفة، فقد شنقه ومثل به. وقد تأكدت أن عبد الله ما كان يهتم البتة بأرواح أعز أصدقائه وأحبهم إليه، وأن هذه الحرب الداخلة لا بد أنها ستضعف أعدائي «الخليفة وأنصاره»، وربما كان لي من وراء ذلك الاضطراب المنتظر حدوثه أمل في أن أسترد حريتي، ويصبح في مقدوري أن أستعمل نفوذي في جيش الحكومة الذي ظهرت فيه نزعة الاستياء بسبب المعاملة التي كان يلقاها.
وقد كان من المستحيل على الإنسان في مثل تلك الظروف أن يرسم لنفسه خطة واضحة، وكل ما كنت أرغبه هو أن تقوم المعركة، وأن يكون لي من ورائها أكبر قسط من الفائدة الشخصية.
بعد ذلك ابتدأ الفريقان بتبادل الطلقات النارية، إلا أن ذلك لم يكن إلا إيذانا ببدء المعركة الحربية بين الطرفين.
وقد كان الفريقان في حالة لا تسر؛ فكانت الأسلحة من النوع الرديء، ولم يمض غير وقت قصير حتى انتهت تلك المعركة وقدرت الخسارة خمسة قتلى.
Shafi da ba'a sani ba