وكانت أيام الأعياد مجتمع الأدباء بمجلس الزعيم الكبير سعد زغلول، فلقيت المنفلوطي مرة من هذه المرات ومعنا جعفر ولي باشا - وزير الحربية يومئذ - وهو كثير الاطلاع على منظوم العرب ومنثورها، وأساتذة لا أعرفهم، فجرى الحديث عن أساليب بعض الكتاب، فقال سعد: إنني أتناول أسلوب هؤلاء الكتاب جملة جملة، فإذا هي جمل مفهومة لا بأس بها في الصياغة، ولكنني أتتبع هذه الجمل إلى نهايتها فلا أخرج منها على نتيجة، ولا أعرف مكان إحداها مما تقدمها أو لحق بها، فلعل هؤلاء الكتاب يبيعون بالمفرق «بالقطاعي» ولا يبيعون بالجملة!
قال الشيخ المنفلوطي: يغلب يا باشا أن يشيع هذا الأسلوب بين الصحفيين الذين يكلفون ملء فراغ، ولا تتيسر لهم المادة في كل موضوع.
فابتسم الباشا، وقال الشيخ: «إنك يا أستاذ تتكلم عن الصحفيين وهنا واحد منهم!» ثم التفت إلي وقال: «ما رأيك يا فلان؟»
قلت: «هو ما يقول الشيخ المنفلوطي مع استدراك طفيف.»
قال: «ما هو؟»
قلت: إن هذا الأسلوب هو أسلوب كل من تصدى لملء فراغ لا يستطيع ملأه سواء كتب في الصحافة أو في غير الصحافة.
وعاد الشيخ المنفلوطي، فقال: «إن العقاد لا يحسب من الصحفيين لأنه من الأدباء.»
قال الباشا: «أوكذلك؟»
ثم تفضل بوصف موجز لكاتب هذه السطور، ليس من حقنا أن نرويه.
ولسنا نريد أن نحصر الأدب المنفلوطي كله في هذه الزاوية التي تلاقينا لديها على كراسات الإنشاء، فهكذا عرفناه ويعرفه غيرنا إذا لقيه من هنا وعلى يمينه «سوبرمان» نيتشه و«بطل» كارليل، وعلى يساره قضية تربوية في إبان أزمتها.
Shafi da ba'a sani ba