قالت: «بل أنا مسرورة من هذه الصدفة التي جعلتني سعيدة بمرآك، وطالما سمعت عن أدبك الجم وأخلاقك الحسان، فكنت أرجو أن تتاح لي مثل هذه الفرصة؛ لأرى الشاب الذي يحبه أهل القرية ويتمثلون به.»
فخشي سليم عاقبة التمادي معها في الكلام، وظن أنها تستدرجه للغرام، وهو يعلم أنه ضيف رجل معروف بكرمه وحسن سمعته وسمعة أهله، ففي وجوده مع فتاة مسلمة منفردين باعث للريبة والشبهة، ثم قال: «هل تسمح لي سيدتي أن أنسحب وألا أكون مثقلا عليك إذا بقيت؟ فأنا أجلك عن ألسنة الناس.»
قالت: طب نفسا وقر عينا، فما أنا من الرعونة بالدرجة التي تصورتها يا سيدي، ولا أنا آتية الآن لأمر يدعو إلى الريبة وليس في المنزل إلا والدتي، وهي بعيدة عنا في المطبخ تعد الطعام، ولكنني جئت لأمر ذي بال دفعني إلى مجاوزة حد اللياقة إذا كان في دخولي عليك في هذا الوقت ما يحسب خارجا عن حدود اللياقة، فأنا أحذرك من خطر قريب لا يعرف به أحد من أهلي سواي، وقد عرفته بالصدفة.
لقد كان والدك أحب الناس لأبي، ولقد سمعتك تتكلم مع الشيخ صالح في العام الماضي، فكان حديثك موضع إعجاب الشيخ الذي طالما حض شبان القرية على التمثل بك في اجتهادك وأخلاقك، فجعلني ذلك أشد اهتماما بأمرك، والآن لا وقت للزيادة، فاحذر أنت ووالدك فإن هنالك مكيدة تدبر لاغتيالكما وأنتما عائدان إلى زحلة، حيث يكمن شقيان لكما في طرف الغابة عند الكهف الكبير، فإذا نويتما العودة فأظهرا أنكما عائدان من تلك الطريق، ثم عودا بأسرع ما يمكن وسيرا بطريق الجبل، والآن أستودعك الله وإياك أن تبوح بشيء مما أقوله لك لأحد، فتسيء إلى من أحسنت إليك.
فقال: معاذ الله يا سيدتي! إن مرآك اليوم بهذه الطلعة البهية كان عندي كشعلة الطور، وصوتك العذب كصوت الملاك المنقذ يحذر من خطر قريب، فشكرا لله الذي أرسلك إلي كما كان يرسل للأبرياء رسله الأطهار، فكيف أستطيع أن أكافئك على هذا المعروف الذي لا أنساه، وما دمت في قيد الحياة فأنا أسير لطفك، بئست العادات والتقاليد التي تأبى علينا الاجتماع، ولكن ثقي يا سيدتي أن صورتك لا تمحى من ناظري وفؤادي، وصوتك العذب يبقى في أذني يرن كلما طابت الذكرى وذكرت المودة والوفاء.
نعم، إننا لا نستطيع الاجتماع ثانية، وقد لا يسمح الزمان بمثل هذه الفرصة السعيدة النادرة، ولكن روحي تبقى محلقة في سماء العمروسة ترصد كوكبها الوهاج.
فهزت هذه الكلمات أعطاف هيفاء، وتذكرت أنها سمعت من الشيخ صالح أن سليم شاعر مجيد، ثم نظرت إلى ما حولها، وإذ تأكدت أن المكان لا يزال خاليا قالت: أرى أن كلامك المنثور كأنه عقود الجمان، وهو يتضمن شعرا تنم عنه كلماتك العذبة التي تسيل رقة وشعورا، وأنا مولعة بالأدب والشعر، وهكذا شقيقي محمد فإذا كنت ترغب في مكافأتي على هذه الخدمة الحقيرة، فأرجو أن تهدي شقيقي كتابا من كتب الأدب يكون لنا خير تذكار منك، وحبذا لو ترفقه بشيء من نظمك فإنني أعدك أنني أتلوه مرات كل يوم ذاكرة لك فضلك على الدوام، لا أستطيع أن أمكث هنا طويلا فأستودعك الله.
خرجت هيفاء وسليم يشيعها بنظراته وفؤاده، وقد سحره جمالها وأسره أدبها وظرفها وكمالها، ثم أخذ يفكر فيما قالته له وحذرته منه، فتعجب كيف يضمر أهل القرية أو أحدهم لوالده شرا وهو أصدق صديق لهم، إن ذلك لمن الطيش والحماقة بمكان - إنسان يقتل إنسانا لم يؤذه في شيء ولا كاد له في أمر، ولم تحدث بينهما عداوة - ذلك عجيب، وخشي أن يقول لوالده شيئا فيضحك والده منه، أو يظهر العناد فيعرض نفسه للخطر وهو يحب والده أشد محبة، ويعرف أنه شجاع مقدام أو يخبر الشيخ صالح أو يوسف الهلالي، فيكون بذلك كمن يبوح بسر هيفاء فسكت على الضيم طول النهار وهو يفكر في هذه الأمور.
السفر والعودة إلى العمروسة
في صباح اليوم التالي نهض سمعان وسليم مبكرين وامتطيا جواديهما وسارا عائدين إلى زحلة، بعدما ودعا صديقهما يوسف الهلالي ونجله محمد وشكراهما على ما أظهراه من الكرم والإكرام، وما أبعدا قليلا عن القرية حتى قال سليم لوالده: «يا أبي، أفضل أن نسير بطريق الجبل ريثما نجتاز أعالي الغابة، ثم نعود إلى استئناف السير بالطريق العادية بعد ذلك بقليل حيث تتقاطع الطريقان، فإن في أعالي الغابة نبع ماء سمعت بعذوبة مائه وأحب أن أشرب منه.» فقال والده: «لا، بل نسير في نفس الطريق التي جئنا منها.» فتوسل إليه سليم حتى أجاب والده طلبه دون أن يعرف حقيقة الدافع الذي دفعه إلى هذا الإلحاح.
Shafi da ba'a sani ba