Mudhakkirat Ahmad Bay

مذكرات أحمد باي

Editsa

الدكتور محمد العربي الزبيري

Mai Buga Littafi

الشركة الوطنية للنشر والتوزيع

Bugun

الثانية

Shekarar Bugawa

١٩٨١ م

Inda aka buga

الجزائر

مقدمة
يعتبر الحاج أحمد، باي قسنطينة الأخير، من ألمع وجوه المقاومة في الجزائر، ومن أكبر قادتنا الذين دوخوا فرنسا، والذين يجب أن نفتخر بهم.
لقد اعترف له كثير من الجنرالات بالدهاء العسكري، وحاول المارشال فالي أن يتفق معه، اقتناعا منه بأن الرجل أهل للقيادة ولا يمكن أن يستسلم بسهولة.
وإذا كان المؤرخون الغربيون لم يعطوا له حقه، قاصدين بذلك تشويه التاريخ الجزائري المجيد، والتمييز بين مختلف عناصر الشعب للتقليل من أمجاد ماضينا الحافل بعوامل الأمل، ودوافع الإيمان بالمستقبل، فإن واجبنا نحن أن نزيل الغبار على هذه الشخصية، وغيرها من أمثال ابن سالم، ابن علال، حمدان خوجة، بومرزاق، بومعزة بوبغلة، بوعمامة، محمد الصغير بن أحمد بن الحاج، بوزيان الخ .. ونخرج من طيات النسيان تلك الصفحات الخالدة التي كتبوها بدمائهم، لنستوحي منها طريقنا نحو حياة أفضل.
لقد كان الحاج أحمد كرغليا، على حد تعبير المؤرخين الفرنسيين. ولكن المنطق يحتم علينا أن نؤكد عكس ذلك، أنه جزائري قبل كل شيء: ولد في الجزائر من أب ولد في الجزائر. زد على ذلك فهو ذلك الرجل الذي وهب حياته لهذا الوطن ولا يعرف وطنا سواه.

1 / 5

وإذا سلمنا لهؤلاء المؤرخين أن أحمد لم يكن جزائريا، فماذا نقول عن بونبرت الذي جاء لإلى فرنسا من جزيرة كورسكة؟ وماذا نقول عن الأمراء الفرنسيين الذين ينحدرون من سلالة بريطانية؟ وماذا تقول، أيضا، عن أباطرة روما العرب والأفارقة؟.
وإذا أردنا نحن أن نجرد أحمد من الجنسية الجزائرية يجب، قبل ذلك، أن نطرح على انفسنا السؤال التالي: لماذا أعطيت الجنسية الجزائرية لكل من طلبها ممن انخرط من الأجانب في صفوف جيش أو جبهة التحرير الوطني أثناء ثورة نوفمبر ١٩٥٤؟ هذا بالإضافة إلى أنه لا مجال للمقارنة بين أحمد وهؤلاء، لأن الباي لم تكن له جنسية أخرى، ولا لغة، ولا تقاليد، ولا عادات، ولا أخلاق، غير جنسية الجزائريين ولغتهم، وتقاليدهم، وأخلاقهم.
أما عن حياته، فإن السيد أحمد بوضربة، عندما قدم مذكراته إلى اللجنة الافريقية سنة ١٨٣٣، يذكر بأن الباي كان يبلغ من العمر في ذلك الوقت ٤٧ سنة، الأمر الذي يجعلنا نحدد تاريخ ازدياده بعام ١٧٨٦. وقد كان يسمى باسم أمه، فيقال الحاج أحمد بن الحاجة شريفة. وهي من أسرة ابن قانة المعروفة في الصحراء. أبوه هو محمد الشريف خليفة حسن باي الذي تولى الحكم بعد صالح باي المتوفى سنة ١٧٩٢. وأما جده فهو الباي أحمد القلي الذي حكم قسنطينة مدة ست عشرة سنة ابتدأها عام ١٧٥٥، والذي يقول عنه الحاج أحمد المبارك في (تاريخ حاضرة قسنطينة) أنه رجل عاقل صالح عالم بتسيير شؤون البلاد.
وقد نشأ أحمد في بيت أخواله، فشب على حياة البداوة، وتعلم الفروسية، وتدرب على القتال، فكان رجلا حاسما وشجاعا لا يعرف التردد عندما يجب الفصل في القضايا.

1 / 6

وان هذه الصفات الخليقة بكل مسؤول، هي التي جعلت الايالة تعينه، وهو لم يتجاوز الثلاثين خليفة لباي قسنطينة التي هي أكبر القاطعات في الجزائر وأهمها من جميع النواحي.
ولقد ظهر أحمد، أثناء ممارسته هذه المسؤولية الجبارة، مهارة كبيرة وخبرة واسعة في اكتساب ثقة الأهالي وضمان تعاونهم معه، بحيث أنه، عندما وقع الخلاف بينه وبين رئيسه، وأمر هذا الأخير بحبسه، وجدناه يحظى بمساعدة أعيان المدينة والبايلك بصفة عامة لمغادرة المكان والتوجه إلى العاصمة بسلام.
وفي منفاه، ظل الباي متمسكا بسيرته الأولى، فكان يبرهن على شجاعته وتفانيه كل ما دعي للمساهمة في عمل من الأعمال. وفي البليدة، استطاع أن يثير إعجاب يحي آغة باستقامته وإخلاصه، وانقلب هذا الإعجاب محبة بعد تجارب طويلة، وخاصة بعد الدور الذي لعبه أحمد أثناء الزلزال الذي أصاب البليدة سنة ١٨٢٥. ولذلك رأينا الآغة، صاحب النفوذ والسلطان في ذلك الحين يتدخل لدى الداي، ويحصل للحاج على العفو في مرحلة أولى، ثم على البايلك في مرحلة ثانية سنة ١٨٢٦.
هكذا، حصل أحمد على هذا المنصب باستحقاق. وبمجرد ما تسلم مسؤوليته الجديدة شرع في تنظيم الأمور والقضاء على الفوضى. وتبين من خلال هذه الأعمال أنه قائد مقتدر له من الدهاء العسكري والسياسي ما لم يتوفر لسابقيه. ولذلك تمكن من البقاء اثنتين وعشرين سنة على الرغم من المشاكل والمحن، ومن المجهودات والتضحيات التي بدلتها فرنسا للقضاء عليه.
هذا، وإننا سنفرد للحاج أحمد دراسة مستقلة في وقت لاحق. أما اليوم، فإننا ننشر مذكراته التي يجمع المؤرخون على أن لها قيمة تاريخية كبرى. ولقد سبق أن نشرها

1 / 7

بالفرنسية وعلق عليها السيد مارسال أمريت في المجلة الأفريقية الصادرة سنة ١٩٤٩. ورجعنا إلى المخطوطات الوطنية في باريس، فوجدنا أن هناك نسختين من هذه المذكرات مكتوبتين باللغة الفرنسية، وأن هناك بعض الاختلاف بينهما من حيث الشكل لا من حيث المضمون، الأمر الذي جعلنا نتأكد من أن المذكرات إنما كتبت في أصلها بالعربية، وترجمها شخصان مختلفان. ولكن الترجمة التي نشرها أمريت هي الأتم على ما نعتقد. ولذلك لجأنا إليها لنعيد المذكرات إلى لغتها الأصلية .. وما لجأنا إلى ذلك إلا بعد أن يئسنا من وجود الأصل العربي.
المترجم
باريس ١٤ نوفمبر ١٩٧١

1 / 8

مذكرات أحمد باي

1 / 10

في سنة ١٨٣٠ ذهبت إلى مدينة الجزائر لأداء الدنوش أو الزيارة الإجبارية التي يؤديها إلى الباشا جميع البايات مرة كل ثلاث سنوات. كنت بايا لقسنطينة منذ أربعة أعوام، وكانت تلك هي المرة الثانية التي أقوم بهذا الواجب.
فلم أكن إذن، مستعدا أي استعداد لمحاربة الفرنسيين، ومع ذلك كان الداي حسين قد أخبرني بمشاريعهم في رسالة ذكر لي فيها أنه بجب أن أهتم بعناية فقط. ولم يكن قلقا لا على نفسه ولا على مدينته الرئيسية. وهكذا، جئت كالعادة أحمل «اللازمة» ومعي أربعمائة فارس أو أقل، وأذكر من جملة القادة الذين اصطحبوني: ولد مقران، ابن حملاوي آغا، شيخ النغاس، قائد الزمالة، الوردي قائد بن عاشور، وشيخ بوشناح. وعندما حضرت بين يدي الباشا قال لي: «ليس لديكم أكثر من الوقت الكافي للخروج إلى الفرنسيين الذين سينزلون بسيدي فرج، إنني أعرف مكان النزول من الرسائل التي تصلني من بلادهم ومن كتاب طبع في فرنسا وأرسله لي جواسيسي من مالطة وجبل طارق» ثم أضاف بأن الرسائل ترد إليه باستمرار من فرنسا وانه على علم بكل ما يجري هناك.

1 / 11

غادرت مدينة الجزائر بسرعة، واتجهت إلى المكان الذي تجمع فيه الجيش. وعقدنا مجلسا لتحديد خطتنا في الدفاع عن البلاد، وشارك معي في هذا المجلس الآغا ابراهيم، صهر الداي، ومصطفى باي التيطري، وخوجة الخيل، وخليفة ياى الغرب.
وقعت الندوة في مكان قريب من سيدي فرج. وابتدأ صهر الداي هكذا: «يجب بناء حصون على شاطيء البحر، وتزويدها بمدافع قوية حتى نمنع الفرنسييين من النزول.» وأجبت بأن هذا الرأي سديد، ولكننا لا نستطيع العمل به حينا، كما تقترحون ذلك، لأنكم لا تملكون الوسائل التي تمكنكم بسرعة من إقامة الحصون التي أشرتم إليها وبالفعل فكيف تحملون إلى هنا المدافع والذخائر الحربية التي تحتاجون إليها وليس في سيدي فرج سوى قلعة قديمة مخربة يحتاج إصلاحها إلى شهور كاملة. لقد استيقظتم متأخرين، وفي نظري، إذن فإنه لا ينبغي أن تنهكوا أنفسكم لصد نزول الفرنسيين، ومن المستحسن أن تبدوا بعض المقاومة وتهاجموهم بحيث تعرقلون النزول. ولكننا إذا وضعنا كل أملنا في إقامة التراسين والحصون، فإنكم لن تنتصروا، لأن نيران المراكب الفرنسية ستقضي على هذه

1 / 12

المنجزات المقامة بسرعة وتكون أعمالكم قد ذهبت سدى. ثم إنكم لن تتمكنوا من تسليح الحصون دون تعرية مدينة الجزائر التي ينبغي أن تهتموا كل الاهتمام بالدفاع عنها.
وإذا استطعنا أن نفسد مشروع الفرنسيين بواسطة المعركة الصغيرة التي سنشنها عليهم أثناء النزول، فإننا نحمد الله ونشكره على مؤازرته لنا. وإذا لم نتمكن من التصدي لنزولهم، فإنه يجب على الجيش أن ينسحب إلى مؤخرة جيوش الأعداء ثم نشطأ البحر من الجهة الغربية.
وتذكروا شيئا، فإن الفرنسيين يريدون إنهاء هذه الحرب بكل سرعة، وإرجاع الجيش إلى أوروبا. إنهم من بني الأصفر، ذوي الوجوه الشاحبة الذين يصعب عليهم تحمل مناخ هذه البلاد. وعندما نمدد الحرب في الزمن، فمعنى ذلك أننا سنحقق النصر لا محالة. وسيصيب أعداءنا ما وأصاب جميع الذين نزلوا هنا: إن الله كان دائما بجانب المؤمنين على الكافرين الذين يأتون لمهاجمة المدينة الموضوعة تحت حمايته، وهذه المرة أيضا، فإنه لن يتخلى عنا. ولاحظوا أن الفرنسيين لن يلحقوا ضررا كبيرا بالمناطق التي سيمرون بها لأن أراضيها تكاد تكون غير مزروعة، وليس فيها إلا عدد قليل من المساكن والأجنة.

1 / 13

وإذا وثقتم بي واتبعتم خطتي، فاننا نتجه إلى وادي مازفران، وعندها يقع أحد أمرين: إما أن يهاجم الفرنسيون مدينة الجزائر وإما أن يسيروا نحونا. ففي الحالة الأولى ننقض على مؤخرتهم فنأخذ مؤونتهم، ونهاجم قوافلهم فنقتل المتخلفين ونعمل على قطع الاتصال بينهم وبين مراكبهم، وهذه النقطة الأخيرة سهلة جدا لأن البحر يتغير ولا يسمح دائما بالنزول. أما إذا ساروا نحونا ليشنوا علينا الحرب، فإن واجبنا هو أن نتجنب المعركة ونجر جيوشهم إلى ميدان ملائم وبعيد عن مدينة الجزائر التي هي هدف مشروعهم.
وإنكم لا تجهلون كم سيفقد الفرنسيون من الجنود، أثناء ملاحقتهم لنا، نتيجة للحرارة، وفقدان الماء وانعدام العديد من الأشياء الأخرى التي تعودوا بها والتي لا يمكن أن تتسع لها مراكبهم، هذا بالإضافة إلى أننا نكون قد حافظنا على مدينة الجزائر. إذن، فرأيي هو الرجوع إلى الوراء.»
وأجاب صهر الباشا بحمية جاهلية وثقة مزهوة في نجاح الخطة، بأن عدم مجابهة العدو ليس من عمل الرجال الشهام، وأن الله لن يغفل عن مساعدة من سيهاجمون الكفرة عند نزولهم وهم به واثقون.

1 / 14

وأثر هذا اللجوء إلى الله تأثيرا كبيرا على عقول الحاضرين. واستعملت نفس الوسيلة وأردت حملهم على أن يتركوا مدينة الجزائر تحت رعاية الإله يفعل بها ما يشاء ولكنهم عارضوني وتقرر أن يسيروا لمجابهة الفرنسيين.
وهكذا، شرع في بناء المتاريس بسيدي فرج، ولكنها لم تسلح إلا بمدافع خفيفة لعدم وجود العربات التي يمكن أن تحمل المدافع ذات العيار الكبير. وتم النزول، وبعد انتصار الفرنسيين على مقاومتنا، تقرر التراجع وانتظارهم في سهل سطاولي حيث بنينا حصونا بسرعة وزودناها ببعض المدافع. وكان الباشا قد وزع عددا منها كذلك على جميع الأعيان الذين كانوا يقودون الجيش وعلى من كانوا مثلي قادمين من مناطق بعيدة. وقد خسرنا هذه المدافع في معركة سطاويلي التي ربحها الفرنسيون. وكان مدفعي قد سقط مرة أولى بين أيديهم، ولكنني جمعت فرساني وهاجمنا فخسرنا أكثر من مائتي جندي، ولكن الله مكنني من الانسحاب ومعي المدفع الذي أعطيت.
وبعد معركة سطاويلي، هاجم الفرنسيون برج مولاي حسان. وكنت إذ ذاك قد انسحبت إلى المكان المسمى

1 / 15