سبق القول أني أقمت في فالير من ضواحي أثينا، والذين يهجرون العاصمة من شدة الحر في زمن الصيف ويقيمون في الضواحي عدد كبير. وفالير هذه على شاطئ البحر مثل سان ستيفانو في رمل الإسكندرية، بني فيها فنادق، ولكن الوطنية حركت همة المرحوم بستمازوغلو المثري ومدير بنك أثينا، فبنى فندق أكتيون الفخيم، وفيه العشرات من الأعمدة الرخامية الضخمة في الدور الأسفل ذات بياض ناصع، وفيه القاعات على الطرز الصيني والمصري بمفروشاتها. ولفالير رصيف ممتد على البحر مسافة 3000 متر تقريبا، يكنس ويرش بالمياه، وتصدح به الموسيقى العسكرية في كل يوم من بعد الظهر ، فيتقاطر الناس أفواجا لهذا المكان من العاصمة، والمسافة بينهما عشر دقائق، فبعضهم يجلسون في القهاوي الكثيرة العدد في الرصيف المذكور، أو يخطرون فيه ذهابا وإيابا، وفيهم الضباط من عسكرية وبحرية بملابسهم الرسمية، وبعضهم يتناولون طعامهم على المنضدات المنتشرة على شاطئ البحر، وآخرون يولمون الولائم في الليالي المقمرة. والفنادق في هذا المكان رخيصة، ومأكولاتها بعيدة عن الغش، فإن اللحوم والخضر والفواكه وغير ذلك جيدة. وهناك تياترو مكشوف؛ لأن الهواء جاف، وقد بنوا رصيفا من الخشب أيضا يقام أحيانا فيها حفلات رقص، ومنها ترى المراكب الحربية الراسية في ميناء فالير، وهناك قوارب بخارية أو شراعية للنزهة في البحر، وحمامات للاستحمام بماء البحر، بعضا للرجال والبعض للحريم، يؤمها خلق كثير في كل يوم من بعد الظهر. ويحد فالير من الشرق والغرب سهل فيه الزرع والضرع ومعامل للصناعة، ويحد هذا السهل جبال قاحلة، مثل بعض أجزاء جبل لبنان.
كيفيسيا:
هي ثانية الضواحي، ذهبنا إليها من العاصمة بالسكة الحديدية في ساعة في وسط أراض ضعيفة التربة، وبعض أشجار الزيتون والتين هنا وهناك، ولكننا دهشنا حين وصلنا من رؤية روضة غناء، فيها الأشجار الباسقة وبرك المياه العديدة والزهور المتنوعة، والناس في ذهاب وإياب في هذه الروضة حتى خيل لنا أننا في حديقة فرسايل. ويتفرع من هذه الروضة عدة شوارع بني فيها قصور جميلة داخل حدائق لطيفة، بناها الموسرون الأروام بعد أن حصلوا على ثروة من متاجرهم في بلاد الغربة وعادوا إلى وطنهم المحبوب؛ ليستريحوا من عناء الأعمال ويذوقوا ثمر أتعابهم، ومنهم من قضى السنين الطوال في القطر المصري، وهم الآن في أرغد عيش في هذه الجهة. وهناك فندق عظيم يؤمه خلق كثير خصوصا في أيام الأحد من بعد الظهر.
طاطوي:
أو هي ضاحية الملك؛ لأن الملك بنى فيها قصرا له ولأنجاله، ذهبنا إليها بالعربة من كيفيسيا مسافة ساعة، يريد المرء لو أنها تطول؛ لأن الطريق في حرجة تمتد مسافة ساعات في الطول والعرض من أشجار الصنوبر الأخضر والسنديان والبلوط والصفصاف، وأشجار برية غضة ملتف بعضها حول بعض، حتى إنها غطت وجه الأرض. وقد خططت الحكومة في وسطها شارعا تمر فيه عربتان فقط للذهاب والإياب. ولهذه الغابة رائحة عطرية، وتغرد فيها الطيور، وهي كثيرة ومتنوعة في هذه الجهة، حتى إذا وصلنا المحل المقصود ذهبنا إلى الفندق الذي بني فيه لراحة المسافرين، ثم سرنا إلى قصر الملك، وهو مبني في الحرجة المذكورة، لم يقطعوا منها الأشجار والأعشاب إلا موضع بناء القصر فقط. وكان على باب الحرجة الخارجي الحراس، وهم يطلبون فقط أن يكتب أسماء الزائرين في دفتر أعدوه لهذا الغرض. فسرنا في الحرجة في الطريق الموصل للقصر، والقصر صغير وبناؤه بسيط ملتصق بقصور الأمراء أولاد الملك، ومن حوله حديقة رأيت فيها تمثالا يمثل النسر يصيد غزالا، وقد كان البرنس حليم باشا المصري مغرما بهذا، فكان يركب جوادا، ويأخذ النسر على كتفه الشمال، ولما يرى الغزال من بعيد يدل النسر عليه فيطير النسر ويفقأ عيني الغزال بجناحيه، والغزال يعدو ليتخلص منه، ولكن النسر يتبعه أينما سار، وهو مستمر على العمل المذكور حتى يصل الصياد ومعه الكلاب، ويكون الغزال قد ضعف وتعذر عليه الفرار فيمسكه بيده. ويرى من طاطوي سهل ماراثون حيث حصلت الموقعة الحربية في سنة 490 قبل المسيح ما بين الفرس واليونان، كان الأروام فيها عشرة آلاف فقط تحت قيادة ملتيادس، وكان الفرس نحو 150 ألفا، ولكنهم هزموا بعد قتال شديد وفروا من وجه الأروام.
وكثيرا ما يذهب السياح الإنكليز والأميركان إلى هذا السهل، ومعهم الخيام ينصبونها فيه، ويقيمون الأيام، وهم يعدون ذلك من دواعي الفخر والتباهي. وفي آخر النهار عدنا من نفس الطريق.
قبل مبارحتي أثينا لا بد لي أن أذكر الحماسة الوطنية المشهورة عن الأروام، وسعيهم وراء ترقية وطنهم وحبهم الشديد له، يشهد بذلك تعلقهم على ذكره، واستمرارهم على تحسين عاصمتهم مع قطع النظر عن الحكومة؛ لأن كل الأبنية العمومية التي شيدت في العاصمة من أموال الأهالي، وهذه أسماء الذين تبرعوا بالمال الوفير لهذا الغرض.
الخواجة أفيروف:
بنى المدرسة الحربية، وصرف عليها مبلغ عشرين ألف جنيه، وبنى الستاديون أو هو ملعب الألعاب الأولمبية الذي سبق ذكره، وصرف عليه ثمانين ألف جنيه، وبنى سجونا بعضها للأحداث الذكور والبعض للإناث بمبلغ أربعة آلاف جنيه، ولا يخفى ما في هذه السجون من النفع، ويقال لها الإصلاحية، لا يختلط فيها الصغار بكبار المجرمين اجتنابا لفساد الأخلاق، فضلا عن أن الصغار يعلمون صناعات شتى أثناء سجنهم، والغرض من ذلك منعهم عن الشر وتقويم النفوس. ولما فتحت وصية الخواجة المشار إليه وجد أنه ترك فيها مائة وخمسين ألف جنيه لبناء مدرسة حربية تعلم فيها الفنون البحرية.
البارون سينا:
Shafi da ba'a sani ba