وعلى بضع خطوات البناء الثاني، وهو المدرسة الكلية، بنيت في سنة 1837، ومدخلها من رواق بني على جملة أعمدة رخامية ضخمة، وعلى يمين الباب تمثال البطريرك غريغوريوس الذي قتله القواصة في الآستانة لما ثار الأروام بطلب الاستقلال في سنة 1821. وعلى شماله الخطيب والشاعر ريجاس الذي كان يلقي الخطب ويقول الأشعار الحماسية في الحرب، وهناك أيضا تمثال غلادستون السياسي الإنكليزي الشهير، الذي كان له فضل كبير على مملكة اليونان. وأما البناء الثالث فهو المكتبة العمومية، بناها الخواجة فاليانوس، فيها مائتان وخمسون ألف مجلد، وقد نصب له تمثال يخلد ذكر اسمه. وليس بعيدا من هذا الشارع مدرسة عظيمة للبنات معروفة بمدرسة أرساكيون على اسم الخواجا أرساكس الذي بناها بماله.
ذكرت أن ميدان الاتحاد يتفرع منه جملة شوارع، منها شارع يدعى باتيسا، وهو أطول شارع في أثينا، غرس الشجر إلى جانبيه، وفيه المتحف والدخول إليه من حديقة، وقد قسم عدة أقسام، منها القسم المصري فيه موميات وتماثيل مصرية من البرونز والحجر وفخار وجعلان، وهنالك تمثال امرأة من خشب راكعة وهي تعجن، والتمثال الآن ذو قيمة عظيمة، مثل تمثال شيخ البلد الخشبي في متحف مصر، له سمعة في كل أوروبا. وقد جمع هذه الآثار رومي اسمه دمتريو يوانيو من مصر منذ 1871 وأرسلها إلى هذا المتحف.
وفي المتحف المصري المذكور غرفة خصوصية على اسم روستوفتش بك المقيم بمصر الآن، جمع فيها شيء كثير من الآثار والعاديات المصرية هدية للمتحف المذكور. فالرومي ولو تغرب عن وطنه يذكره في كل حالة، حتى إن أولاده الذين يولدون في بلاد غريبة لا ينسون وطنهم كما هو معلوم ومشهور. وفي هذا المعرض أيضا القسم اليوناني، وضعوا فيه تمثالا وجدوه في البحر، أعني أن الغواصة وجدوا في قاع البحر قطعا صغيرة مجموعة بعضها يلي بعضا فأخرجوها، وركب أجزاءها بعد ذلك عالم طلياني حسب الوضع الأصلي، فكان منها هذا التمثال. وهناك تماثيل الآلهة أو المعبودات اليونانية القديمة، مثل نبتون إله البحر، وأثينا معبودة الصحة، وسيأتي ذكرها. وهناك أيضا قبور من الرخام نقش عليها رسوم حوادث التاريخ اليوناني القديم، من ذلك رسم معركة مراثون التي حدثت للقوم مع جيش داريوس ملك الفرس بالقرب من أثينا، وتمثال عسكري مات في الحرب وهو ما زال راكبا على الحصان ووالده ووالدته على يمينه وشماله يندبانه، كل ذلك من الرخام. أما المصوغات الذهبية التي وجدت في الكهوف كالأساور والحلق والخلاخل؛ فإنها تعد بالألوف، وهي أكثر هنا من نظائرها في متحف مصر، وهناك أيضا دهليز طويل فيه قسم الفخار كالآنية والأباريق وجدت تحت الردم في سهل طروادة وأتيكا، يدل تاريخها أنها صنعت من 2500 سنة قبل المسيح، وقد دهنت بألوان باقية على حالها إلى الآن.
ويقال بالاختصار إن متحف أثينا هذا فيه 25 غرفة عدا الدهاليز والفسحات حوت ألوفا كثيرة من القطع الأثرية، وقد طبع عنها مجلد يباع للراغبين في المتحف، فيه النمر الموضوعة على القطع لمعرفة أصلها. وفي الشارع المذكور دار الفنون الجميلة - أعني الصور - والداخل إليه يعجب من فخامة البناء العظيم، وهو طبقتان جميعه من الرخام الأبيض الناصع، وفيه خارجا وداخلا 15 من الأعمدة الرخامية الضخمة الناصعة البياض تسطع وتلمع. وقد صعدنا سلما له إطار من نوعه كله رخام فدخلنا قاعات الصور، أكثرها تمثل وقائع حرب الاستقلال والذين اشتهروا بها.
الستاديون:
ممكن الذهاب إلى الستاديون من ميدان الدستور السابق ذكره، وهو يعد من أغرب الأماكن، كان يقام فيه الألعاب الأولمبية، بني في سنة 330 قبل المسيح، وكان الخطيب اليوناني والوطني الشهير ليكورغوس يلقي فيه خطبا حماسية على القوم أثناء الحروب، ولا سيما في حربهم مع إسكندر المقدوني، بني على شكل أمفيتياتر «مدرج» مثل ملعب الخيل، وكله من الرخام، ومقاعده حجارة مستديرة من الرخام أيضا بدون مسند للظهر، بلغ عددها خمسين ألف قطعة، وكانوا يقيمون فيه الألعاب الرياضية لأشداء الرجال، وأهمها المصارعة، وكانوا يكللون الظافر بإكليل من شجر الغار، حتى إن بطليموس ملك مصر الذي حكم فيها من سنة 246 إلى سنة 284 قبل المسيح ذهب من مصر ليرى هذه الألعاب، وكذلك ملك سوريا أنطيوخوس الذي حكم سوريا من سنة 164 إلى سنة 175 قصد هذا المكان أيضا، وأجرى فيه بعض الترميمات، ولكن هذا الملعب تخرب على ممر الدهور ، وأخذت مقاعده الرخامية، حتى حركت الحمية الوطنية المرحوم أفيروف المثري الإسكندري المعروف، فأخذ في إعادة هذا البناء الفخيم إلى حالته الأصلية بثمانين ألف جنيه تعهد بدفعها عن طيبة خاطر، واستحضر مهرة المهندسين من إيطاليا وألمانيا اشتغلوا السنين العديدة في قطع الرخام من الجبل على شكل المقاعد الرخامية الأصلية، وأحضروها إلى هذا المكان، ووضعوا المقعد الرخامي لصق الآخر من أول دائرة الملعب صفوفا صفوفا، وأبقوا طريقا ضيقا للمرور بين كل اثني عشر صفا، وكان طول المقاعد في دائرة الملعب إلى أعلاه 600 قدم وعرضها 400.
وللملعب المذكور أفريز من الرخام أيضا، وهو الحائل ما بين المتفرجين واللاعبين، مثل ملعب الخيل، وأفريز آخر في أعلاه كذلك من الرخام. ومما يزيد البناء حسنا أنه لا يرى فيه حجر ولا حديد ولا آجر (طوب) ولا خشب، بل إن جميعه رخام في رخام، وكانوا قد جعلوا شهر أبريل من سياحتنا موعدا لهذه الألعاب حسب العادة القديمة، واشترك فيها الرجال الأشداء من أروام وغير أروام أتوا من أوروبا. ولكي أمثل للقاري هذه الألعاب وهذا المكان بنوع خصوصي، أقول إن ملك إنكلترا إدورد السابع حضر خصيصا من لندن ليرى الألعاب والمكان في ربيع هذه السنة، وأعطوا خمسين ألف تذكرة دخول لخمسين ألف مقعد، ثم صرفوا 15 ألف تذكرة أيضا للطالبين وقفوا حول الدائرة. فلما وصلنا اندهشنا من رؤية هذا المكان وتأملنا دائرته، ثم تقدمنا صعودا في إحدى هذه الطرق إلى أعلى صف فيه، وجلسنا إلى أحد هذه المقاعد فعددناها من الأسفل إلى الأعلى فكانت في صف واحد 105 مقاعد. فالستاديون أو الملعب هذا أعجوبة من عجائب العالم بين الآثار الباقية إلى هذا اليوم، وقد أقيم تمثال المرحوم أفيروف بانيه عند باب الدخول وهو واقف يشير بيده إلى جهة الملعب ولسان حاله يقول: انظروا هذا، فهو من أعمالي.
الأكروبول:
ومن أهم ما يرى في أثينا أيضا الأكروبول، ممكن الذهاب إليه من الستاديون، وهو معبد فيه جملة معابد بني على مرتفع صخري في طرف البلد، علوه 500 قدم، وهو يشبه آثار بعلبك، ولكنه حفظ من العوامل الطبيعية والزلازل؛ لأن فيه للآن 26 عمودا طول كل منها 28 قدما وسمكه 5 أقدام، ولكن إذا أضيف إليها القاعدة والتاج فيكون الطول 33 قدما. وأما بعلبك فلم يبق فيها إلا 6 أعمدة فقط، ويوجد مثل هذه الأعمدة في الكرنك عند القصر في صعيد مصر، ولولا أن الفرس خربوا هذا المعبد عند استيلائهم عليه سنة 480 قبل المسيح لبقي أقرب إلى الأصل مما هو الآن. ولكن إسكندر المقدوني أعاد الأعمدة بعد انتصاره الباهر، قيل إن قيمة الذهب والعاج التي أدخلت في معبد أثينا بلغت «617» تالان أو نحو 150 ألف جنيه في ذاك الزمان. ولما وصلنا صعدنا من سلم درجاته واطئة جدا، ولكنها متخربة نوعا، ولا يبعد أنهم تركوها متخربة على حالتها الأصلية؛ ليظهر قدمها، ودخلنا من باب سمي باب بيلة؛ لأن الموسيو بيلة الفرنسوي هو الذي اكتشفه في سنة 1852 من تحت الحصون العثمانية التي كانت بنيت فوقه. وأول معبد أشار إليه الترجمان وكتاب الدليل الذي كان في يدنا معبد أثينا وقد تخرب، ولكن الأثريين الفرنسويين والألمانيين رمموه من أنقاضه الملقاة في الأرض في سنة 1836، وكانت أثينا إلهة الصحة؛ لأنه حدث في أثناء البناء أن عاملا سقط على الأرض وجرح، وكان بيريكلس قد حلم في الليل أن أثينا أهدته إلى حشيشة تنبت قرب المعبد، يقطف منها ويدهن بها المجروح فيطيب، ففعلوا بالحلم وشفي المجروح. وهناك معبد بروبيليا بني في سنة 437 قبل المسيح، وفيه رواق جميل قائم على تماثيل في غاية الدقة، أخذ منها اللورد ألجين تمثالا ونقله إلى متحف لندن. وقد قرأت في الكتب الإنكليزية تنديدا على اللورد؛ لأنه خرب آثارا كثيرة من المعابد اليونانية ونقلها إلى وطنه، وإني أنصح القارئ قبل نزوله أن يقف في مكان في طرف الأكروبول لجهة البلد يدعى منظر آمليا على اسم ملكة الأروام الأولى، فإنه يرى منه كل مدينة أثينا بميادينها وشوارعها وبناياتها، فلا يغيب شيء عنه. ويرى أيضا من الأكروبول عند أسفله تياترو ديونسيوس، بني في سنة 340 قبل المسيح، يضم 14000 شخص، وهو محل للخطابة تجتمع فيه الجمعيات للمداولة في شئون البلاد، وكان قد بقي فيه تمثال واحد، ولكن قنابل الأتراك خربته أثناء الحرب، وهم يومئذ ملكوا الأكروبول وأقاموا فيه وجعلوه حصنا لهم. وفي الأكروبول نفسه متحف جمع فيه آثار لا يحصى عددها كانت ملقاة على الأرض، وفيه جملة غرف ودهاليز فيها القطع الرخامية جميعها من بقايا المعابد. وقد رأينا من جملتها حجارة المعابد كانت ملقاة على الأرض، مدهونة باللون الأزرق والأحمر، وهذه الألوان باقية على أصلها لحد الآن مع أنه مضى عليها أكثر من ألفي سنة، وهي مثل التي في بعلبك. ومن المعلوم أن عاصمة بلاد الأروام اشتهرت في أوروبا وأميركا، ويقصدها السياح، ليس حبا في رؤية البلد، بل لرؤية الآثار القديمة فيها، فلا يخلو أحد أحيائها من آثار كثيرة يقصدها السياح، من ذلك قوس أدريين أحد قياصرة الرومانيين، ارتفاعها 59 قدما واتساعها 44، وهي قائمة على 13 عمودا من الشرق و93 من الغرب، و6 من الجنوب و6 من الشمال، طولها 51 قدما وقطرها 5 أقدام ونصف. وبينما كنت سائرا مع الترجمان دعانا لرؤية برج الهوا ، وهو يدل على المطر وحالة الهواء بواسطة علامات تخربت، وقد بنى الأتراك فيه جامعا صغيرا، وهذا تخرب أيضا، قرأت على جدرانه كلمة الجلالة حفرت حفرا على الجدار. ومن هذا المكان ذهبت إلى الكنيسة الكبرى وهي جميلة جدا، دهنوا جوانبها بالذهب، وليس فيها مقاعد مطلقا، بل إن المصلين يقفون على أقدامهم، ما خلا الملك والملكة، فقد أعدوا لهما كرسيين.
ضواحي أثينا
Shafi da ba'a sani ba