وممن بين مفهوم السيادة هوبز، إذ وضح أنها: " سلطة عليا متميزة وسامية، ليست في القمة بل فوق القمة، فوق كل الشعب وتحكم من مكانها ذاك المجتمع السياسي كله؛ ولهذا السبب فإن هذه السلطة تكون مطلقة، وبالتالي غير محدودة لا في مداها ولا في مدتها، وبدون مسؤولية أمام أي إنسان على الأرض " (¬1).
ومع أن بودان بين فكرة السيادة، لكن بيانه لها قد خلا من بيان أساس لهذه السيادة، ولاسيما مع استبعاده للتأسيس على نظرية التفويض الإلهي في المفهوم الكنسي، وهو ما جعل فكرة السيادة لديه لا ترقى إلى مستوى النظرية؛ مما فتح المجال لتدخل غيره في استكمال بناء نظرية السيادة وفق الفلسفة الوضعية (¬2)؛ ثم شاع هذا المصطلح في الفكر الديمقراطي بعد كتاب " العقد الاجتماعي" للفيلسوف الفرنسي جان جاك رسو، حين شارك في استكمال النظرية وفق فلسفته؛ فطبق معنى السيادة الوضعي من خلال نظريتي: سيادة الأمة، وسيادة الشعب.
والذي يهمنا هنا كما أسلفت، هو معنى السيادة وحقيقته المؤثرة في الحكم المتعلق بديننا ونظامنا الإسلامي، لا بغيره؛ إذ هو المعيار والحكم على غيره لا العكس؛ لأن الشرعي حين يبين حكم مصطلح ما، من المصطلحات المحدثة أو الوافدة، فإنه يبحث عن معنى المصطلح وحقيقته، سواء وجد في الواقع أو لم يوجد، وهو لا يرهن الحكم باللفظ والنشأة على حساب المعنى، ولا برؤية من حاول تطبيقه وفق فلسفته.
وبعبارة أخرى: أن يفرق بين البحث في نشأة المصطلح بوصفه مصطلحا بلفظه ومعناه، فهنا في الأمر سعة. وبين البحث في حقيقة المصطلح ومعناه بغض النظر عن لفظه ونشأته وتاريخه، وهنا لابد من بيان الحكم الشرعي فيه.
وعليه فخلاصة القول هنا: أن السيادة في نظرية الدولة ونظام الحكم، تعني في أصل فكرتها: السلطة العليا المطلقة التي تقيد سلطة الأمة ، وسلطة الحكومة بسلطاتها، ومن ثم تقيد تبعا لذلك القواعد القانونية التي يتشكل منها الدستور، والذي تقوم بوضعه سلطة عليا تمثل المجتمع.
وممن عرفها بلغة الشرعيين، الدكتور صلاح الصاوي، إذ قال: " السيادة هي: السلطة العليا المطلقة التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال " (¬3).
3 - وبناء على هذا البيان لحقيقة السيادة الذي خلاصته وجود سلطة عليا مطلقة لا تحكمها سلطة أخرى لا بجانبها ولا أعلى منها؛ فإننا نستطيع أن نقول بكل ثقة ووضوح: تلك حقيقة لا توجد في غير نظام الإسلام، وهي ظاهرة في نظام الحكم الإسلامي على وجه الخصوص؛ فإنه محكوم باتفاق المسلمين بسلطة عليا مطلقة حقا، تتمثل في: كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
يوضح ذلك الدكتور فتحي عبد الكريم في رسالته العلمية (الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي - دراسة مقارنة) حين يبين ذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسة:
Shafi 92