198

Karya Iyakoki

كسر الحدود

Nau'ikan

ونساء مبدعات،

غيرن العالم

والتاريخ.

القاهرة 1998

رحلة الصيف إلى الجنوب

اندهشت صديقتي الكاتبة المصرية البارزة حين قلت لها إنني مسافرة إلى الجنوب الأفريقي ، كانت هي تعد حقائبها إلى الساحل الشمالي حيث الفيلا الكبيرة على بحيرة مارينا، إن الحر في القاهرة لا يطاق في شهر أغسطس مع زيادة الرطوبة، لم تكن الكاتبة البارزة (الحاصلة على درجة الدكتوراه في الجغرافيا أو التاريخ) تعرف أن الأرض تدول حول الشمس وليس العكس، كما اعتقد بعض الآلهة القدماء، وأن المدار الذي تدور فيه الأرض له شكل بيضاوي مائل، وحين تكون الشمس رأسية حامية فوق أرض مصر خلال شهر أغسطس فإنها تصبح فوق الجنوب الأفريقي مائلة حانية حنان الأم أو الأب الذي يفهم معنى الأبوة الحديثة، قلت لصديقتي الكاتبة البارزة التي تدرس لطلاب الجامعة الجغرافيا أو التاريخ: «أغسطس هو شهر الشتاء في الجنوب الأفريقي وليس الصيف»، اندهشت الكاتبة وقالت: «أهكذا تنقلب فصول السنة فوق القارة الواحدة؟»

كانت الدعوة قد جاءتني لحضور معرض الكتاب الدولي الذي يعقد في زيمبابوي كل عام خلال أجمل الشهور في الشتاء، وهما يوليو وأغسطس، لم تكن صديقتي (الأستاذة الجامعية والكاتبة المعروفة) تعرف أن «هاراري» هي عاصمة زيمبابوي، وأنها تقع في أقصى الجنوب الأفريقي شمال مدينة جوهانسبرج، نطقت كلمة هاراري بطرف لسانها وقلب الراء إلى الغاء (مثل بنات الأرستقراطية المصرية الفرنسية القديمة) وقالت: يا عزيزتي لن يكون لأفريقيا وجود فوق خريطة العالم في القرن الواحد والعشرين، إنها تغرق في الجهل والمرض والحروب الأهلية، قلت لها: «وماذا عن مصر؟» انتفضت وصاحت: «لأ! مصر حاجة تانية! مصر ليست في أفريقيا يا عزيزتي! مصر في الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط!»

قلت لها: «مصر في أفريقيا، في شمال أفريقيا انظري إلى الخريطة!» إلا أن صديقتي الكاتبة البارزة والأستاذة الجامعية لم تكن تريد الاعتراف بالجغرافيا والواقع والحقيقة، وظلت تقول مصر ليست من البلاد الأفريقية.

علاقتي بأفريقيا أشبه ما تكون بالعلاقة العضوية، تجذبني إلى منابع النيل رائحة الأرض والماء والزرع، كأنما ولدتني أمي في قلب أدغال أوغندة على أحد شواطئ بحيرة فيكتوريا، وقد عشت في قلب أفريقيا حين اشتغلت بالأمم المتحدة في اللجنة الاقتصادية لأفريقيا عام 1979، وكان مقري أديس أبابا، واقتضى العمل أن أسافر في جميع البلاد الأفريقية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وكان الانتقال من بلد أفريقي إلى بلد أفريقي آخر لا بد وأن يمر بإحدى العواصم الأوروبية، ولكي أصل من أديس أبابا، إلى السنغال أو النيجر وساحل العاج لا بد أن أطير شمالا إلى القاهرة، ثم أجتاز البحر الأبيض المتوسط إلى باريس، ومن باريس أركب الطائرة إلى داكار في السنغال، لكن اليوم، وبفضل مصر للطيران أصبحنا نطير مباشرة من القاهرة إلى هاراري دون المرور على أوروبا.

أول مرة سافرت إلى هاراري عاصمة زيمبابوي كان في شهر يوليو 1985، بعد انتهاء المؤتمر الدولي للمرأة الذي عقد في نيروبي، كنا مجموعة من الكاتبات الأفريقيات تزيد عن الثلاثين كاتبة وأديبة وشاعرة، قررنا أن نؤسس معا جمعية للكاتبات الأفريقيات، وتم اختيار مدينة هاراري لتكون مقر اللقاء الأول، وسافرنا معا من نيروبي إلى هاراري، وفي فندق «مونو موتابا» (باسم إحدى الإلهات الأفريقيات القديمات) جلسنا في قاعة «إندابا» وأعلنا إنشاء جمعية الكاتبات الأفريقيات، وقد مضى على هذا اليوم أربعة عشر عاما حين وجدنا أنفسنا مرة أخرى في القاعة ذاتها والفندق ذاته، وربما الوجوه والأسماء ذاتها، زاد علينا بعض الشابات الكاتبات من الكاميرون، وناميبيا، وبوتسوانا، وغانا، ومالي، وتنزانيا، وزامبيا، وأوغندة، والصومال، بلغ عددنا أكثر من خمسين كاتبة، وبحثنا عن الجمعية القديمة التي أقمناها عام 1985 فلم نجد لها أثرا، أين راحت؟! قالت الكاتبة الأفريقية من غانا واسمها «آما آثا أودو»، «لقد تفرقنا يا نوال، وتبعثرنا في القارات من أمريكا الشمالية إلى أستراليا، وكندا، هربا من الحكومات الدكتاتورية في بلادنا الأفريقية»، إنها «آما آثار أودو» إحدى الكاتبات الشهيرات الأفريقيات التي كانت وزيرة للثقافة في غانا، وبانقلاب الحكم اضطرت إلى الرحيل إلى أمريكا الشمالية حيث أصبحت أستاذة زائرة في جامعة بولاية نيويورك، وأيضا الكاتبة الأفريقية من كينيا واسمها «ميشيري موجو» التي هربت من الاضطهاد في كينيا، وبحثت عن عمل خارج وطنها في كندا وأستراليا، ثم استقر بها الحال في جامعة سيراكيوس بالولايات المتحدة، والكاتبة «سينديو ماجونا» من جنوب أفريقيا التي هربت من حكومة الآبارثايد العنصرية، وحصلت على وظيفة بالأمم المتحدة في جنيف، وغيرهن الكثيرات من الأديبات المبدعات في أفريقيا اللائي أنقذن حياتهن من براثن الاضطهاد في أوطانهن، وهاجرن إلى بلاد الله الواسعة، حيث أثبتن كفاءتهن الأدبية أو العلمية وحققن شهرة عالمية أو مكانة بارزة في العالم، لم يحظ بها بعض حكامهن.

Shafi da ba'a sani ba