1447
الجمع بين آية (والله يعصمك من الناس) وموته ﷺ بالسم
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف نوفق بين الآية (والله يعصمك من الناس) أي: من القتل، وبين الحديث الذي ترويه عائشة في صحيح البخاري (يا عائشة، ما أزال أجد الم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم)؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
نص الآية: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) المائدة/ ٦٧.
نص الحديث:
قالت عَائِشَةُ رضى الله عنها: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقُولُ فِى مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ: يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِى أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِى مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ. رواه البخاري (٤١٦٥) .
" الطعام ": هو الشاة المسمومة.
" أوان ": وقت، وحين.
" أبهَري ": عرق مرتبط بالقلب، إذا انقطع مات الإنسان.
وأصل القصة:
عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ. رواه البخاري (٢٤٧٤) ومسلم (٢١٩٠) .
ثانيًا:
يجب أن يَعلم المسلم أنه ليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي، وما يظنه بعض الناس من وجود تعارض بين نصوص الوحي بعضها مع بعض: فهو تعارض في ظاهر الأمر بالنسبة له، وليس تعارضًا في واقع الأمر، ولذا فإن علماء الإسلام الراسخين لا يعجزهم – بفضل الله وتوفيقه – من بيان أوجه التوفيق بين ما ظاهره التعارض بالنسبة لمن يرى ذلك ممن يخفى عليه وجه الجمع بين تلك النصوص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه، وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به.
" المسودة " (٣٠٦) .
وقال ابن القيم ﵀:
وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخًا للآخر: فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق ﷺ الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق.
" زاد المعاد " (٤ / ١٤٩) .
وقال ابن القيم ﵀ – أيضًا -:
فصلوات الله وسلامه على مَن يصدّق كلامُه بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، فالاختلاف، والإشكال، والاشتباه إنما هو في الأفهام، لا فيما خرج من بين شفتيه من الكلام، والواجب على كل مؤمن أن يَكِلَ ما أشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم.
" مفتاح دار السعادة " (٣ / ٣٨٣) .
وقال الشاطبي – ﵀:
كل مَن تحقق بأصول الشريعة: فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل مَن حقق مناط المسائل: فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها البتة، فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر، فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد ألبتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ: أمكن التعارض بين الأدلة عندهم.
" الموافقات " (٤ / ٢٩٤) .
وقد برز طوائف من العلماء يتحدون من يزعم وجود تعارض بين نصوص الوحي؛ ومنهم الإمام ابن خزيمة ﵀ حيث كان يقول – كما في " تدريب الراوي " (٢ / ١٧٦) -: " لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما ".
ثالثًا:
ما ذكره الأخ السائل مما ظاهره التعارض بين قوله تعالى (والله يعصمك من الناس) مع قوله ﷺ (وهذا أوان انقطاع أبهري) وأنه مات بالسم الذي وضعه له اليهود: فليس بينهما تعارض – بتوفيق الله -؛ لأن " العصمة " في الآية هي: العصمة من الفتنة، ومن الضلال، ومن القتل قبل تبليغ الرسالة، وكل ذلك قد تحقق له ﷺ، وقد عصمه ربه تعالى من كل ذلك، ولم يمت ﷺ إلا بعد أن أبلغ رسالة ربه تعالى، وقد قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا) المائدة/ من الآية ٣، وقد ذكر بعض العلماء معنى لطيفًا ها هنا، وهو أن الله تعالى أبى إلا أن يجمع لنبينا ﷺ بين النبوة والشهادة.
وقد عصم الله تعالى نبيه ﷺ من كفار قريش عندما أرادوا قتله في مكة، وعصمه ربه من القتل في المدينة فيما حضره من غزوات، بل وحتى محاولة اليهود قتله بالسم: فإن الله تعالى قد عصمه منها، فأخبرته الشاة أنها مسمومة، ومات الصحابي الذي كان معه، وأكل منها – وهو بِشْر بْن الْبَرَاء بْن مَعْرُور - ولم يمت ﷺ، ولا يخالف هذا وجوده أثر ذلك السم، واعتقاده أنه سيموت بسببه، وما قاله ﷺ ليس فيه أن السم هو سبب موته، بل فيه أنه يشعر به، ونه قد يكون هذا هو الموافق لانتهاء أجله.
وبكل حال: فإن العصمة من القتل هي فيما كان قبل تبليغ رسالة ربه، ولم يمت ﷺ إلا وقد أبلغها على أكمل وجه، وسياق الآية يدل على ذلك، حيث أمره ربه تعالى بتبليغ الرسالة، وأخبره أنه يعصمه من الناس.
ومما يدل على ذلك أيضًا: قوله ﷺ لليهودية (مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ) بعد أن أخبرته أنها أرادت قتله، وهو نص إما في عصمته من القتل بالسم حتى فارق الدنيا، أو هو نص في ذلك قبل تبليغ الرسالة.
وخلاصة الكلام: أنه إما أن يُقال بأن النبي صلى الله عليه سلم عُصم من القتل بالسم – كما سيأتي في كلام ابن كثير والنووي وغيرهما -، وقد أوحى الله بوجود السم فيها، وهذا من عصمته له، أو يقال: إن العصمة هي في أثناء التبليغ لرسالة الإسلام، ولا ينافي ذلك وقوع القتل بعد التبليغ لها – كما سيأتي في كلام القرطبي وابن حجر والعثيمين -، وأن الله تعالى جمع بذلك القتل لنبينا ﷺ بين النبوة والشهادة، وجعل ذلك تذكيرًا لنا على الدوام بعداوة اليهود لنا ولديننا.
وهذه بعض أقوال علماء الأمة فيما ذكرناه، وهو يوضح المقصود إن شاء الله.
١. قال ابن كثير – ﵀:
ومِن عصمة الله ﷿ لرسوله ﷺ: حفْظُه له من أهل مكة، وصناديدها، وحسَّادها، ومُعَانديها، ومترفيها، مع شدة العداوة، والبِغْضة، ونصب المحاربة له ليلًا، ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقَدَره، وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ، لا شرعيَّة، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه، واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله ﷿ له الأنصار، فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم - وهي المدينة -، فلما صار إليها حَمَوه من الأحمر والأسود، فكلما همَّ أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء: كاده الله، ورد كيده عليه، لما كاده اليهود بالسحر: حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سم اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر: أعلمه الله به، وحماه الله منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدًّا، يطول ذِكْرها.
" تفسير ابن كثير " (٣ / ١٥٤) .
٢. وقال النووي – في شرحه لحديث الشاة المسمومة -:
فيه بيان عصمته ﷺ من الناس كلهم، كما قال الله: (والله يعصمك من الناس) وهي معجزة لرسول الله ﷺ في سلامته مِن السم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه ﷺ قال: (إن الذراع تخبرني أنها مسمومة) .
" شرح مسلم " (١٤ / ص ١٧٩) .
٣. وقال ابن الجوزي – ﵀ –:
قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) قال ابن قتيبة: أي: يمنعك منهم، وعصمة الله: منعه للعبد من المعاصي، ويقال: طعام لا يعصم، أي: لا يمنع من الجوع.
فان قيل: فأين ضمان العصمة وقد شُجَّ جبينه، وكسِرت رَباعيته، وبولغ في أذاه؟: فعنه جوابان:
أحدهما: أنه عصمه من القتل، والأسرِ، وتلفِ الجملة، فأمّا عوارض الأذى: فلا تمنع عصمة الجملة.
والثاني: أن هذه الآية نزلت بعدما جرى عليه ذلك؛ لأن " المائدة " من أواخر ما نزل.
" زاد المسير " (٢ / ٣٩٧) .
٤. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز – ﵀:
أما ما يصيب الرسل من أنواع البلاء: فإنه لم يُعصم منه ﵊، بل أصابه شيء من ذلك، فقد جُرح يوم أحد، وكُسرت البيضة على رأسه، ودخلت في وجنتيه بعض حلقات المغفر، وسقط في بعض الحفر التي كانت هناك، وقد ضيقوا عليه في مكة تضييقًا شديدًا، فقد أصابه شيء مما أصاب من قبله من الرسل، ومما كتبه الله عليه، ورفع الله به درجاته، وأعلى به مقامه، وضاعف به حسناته، ولكن الله عصمه منهم فلم يستطيعوا قتله، ولا منعه من تبليغ الرسالة، ولم يحولوا بينه وبين ما يجب عليه من البلاغ، فقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ﷺ.
" فتاوى الشيخ ابن باز " (٨ / ص ١٥٠) .
٥. وقال القرطبي ﵀:
ليس في الآية ما ينافي الحراسة، كما أن إعلام الله نصر دينه وإظهاره، ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العدد.
" المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم " (٦ / ٢٨٠) .
٦. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ بعد أن ساق كلام القرطبي هذا -:
وعلى هذا فالمراد: العصمة من الفتنة، والإِضلال، أو إزهاق الروح، والله أعلم.
" فتح الباري " (٦ / ٨٢) .
رابعًا:
من الشواهد العملية على عصمته ﷺ من القتل قبل تبليغ الرسالة:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْوَادِي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي فَلَمْ أَشْعُرْ إِلا وَالسَّيْفُ صَلْتًا فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
رواه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٨٤٣) .
وفي رواية: فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ: الله يمنعني منك، ضع السيف، فوضعه.
قال النووي:
ففيه بيان توكل النبي ﷺ على الله، وعصمة الله تعالى له من الناس، كما قال الله تعالى (والله يعصمك من الناس) .
" شرح مسلم " (١٥ / ٤٤) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب

3 / 164