Islam Q&A
موقع الإسلام سؤال وجواب
هدي النبي ﷺ في معاملة اليهود
[السُّؤَالُ]
ـ[كيف كان هدي النبي ﷺ مع اليهود؟]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
فإن أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، فهو أكمل الخلق وسيد الرسل، وقد أمرنا بالتمسك بهديه، فقال: (عَلَيكُم بِسُنَّتِي) رواه أبو داود (٤٦٠٧) وصححه الألباني في " صحيح أبي داود ".
وقد جاء هديه وسنته بأحسن الأحوال وأقوم الأخلاق، خاصة في تعامله ﷺ مع أهل الديانات الأخرى، ونستطيع أن نجمل هديه ﷺ في التعامل مع اليهود في المسائل التالية:
١. اتخاذ الموقع الصحيح من اليهودية وجميع الأديان، وهذا الموقع يتمثل باعتقاد أحقية دين الإسلام والتوحيد، وكفر وفساد كل ديانة أخرى، وتقرير أن الله تعالى لا يقبل يوم القيامة إلا أن يكون العبد مسلما حنيفا لله تعالى، كما قال سبحانه: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/٨٥.
وقد كان هذا التقرير هو المحور الذي تدور عليه ﷺ دعوته ﷺ، ويتخذ المواقف تبعا له؛ لأنه من ضرورات عقيدة المسلم التي تعرضت في العصور الأخيرة للتحريف والتشويه من دعاة " توحيد الأديان "!
انظر جواب السؤال رقم (٢١٥٣٤) .
٢. ولذلك كان ﷺ يحرص على دعوتهم للإسلام، ولا يفوت فرصة يمكن أن يبلغهم فيها دين الله تعالى إلا وفعل، حتى إنه ﷺ لم يبدأ حربا معهم – بسبب غدرهم وخيانتهم – إلا ويسبقها بدعوتهم وتذكيرهم، كما قال لعلي بن أبي طالب ﵁ يوم فتح خيبر: (انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) رواه البخاري (٢٩٤٢) ومسلم (٢٤٠٦) .
٣. التأكيد على أن عقد الموالاة إنما هو بين المؤمنين، وأن البراء واجب من كل كفر مبين، وجعل ﷺ مناط الأخوة الإسلام، فلا يجوز لمسلم أن يوالي أهل أي ملة بالمحبة والمودة، لذلك تجده ﷺ يسارع في أول قدومه المدينة في تقرير المفارقة بين الإسلام واليهودية، فكان في نص الوثيقة " الدستور " التي أمر النبي صلى الله عليه سلم بكتابته لتنظيم العلاقات بين سكان المدينة: " المؤمنون أمة واحدة دون الناس " رواه القاسم بن سلام في " الأموال " (٥١٧) من مراسيل الزهري.
يقول الدكتور أكرم العمري:
" الروابط تقتصر على المسلمين ولا تشمل غيرهم من اليهود والحلفاء، ولا شك أن تمييز الجماعة الدينية كان أمرا مقصودا يستهدف زيادة تماسكها واعتزازها بذاتها " انتهى.
انظر " السيرة النبوية الصحيحة " للدكتور أكرم العمري (١ / ٢٧٢ – ٢٩١) فقد توسع في الحكم على الوثيقة وتحليلها.
٤. ولكنه ﷺ كان يعترف بحقوق اليهود والنصارى، ويخطئ من يتوهم أن التبرأ من ديانة اليهود المحرفة يلزم منه ظلمهم ومصادرة حقوقهم، فقد قبل النبي ﷺ وجود اليهود في المدينة، وكتب في دستور المدينة: " وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين "، وتكفل لهم بجميع أنواع الحقوق:
أ. حق الحياة: فلم يقتل يهوديا إلا من خان وغدر.
ب. وحق اختيار الدين: حيث أقرهم على ديانتهم ولم يكره أحدًا على الإسلام، عملا بقوله ﷾: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة/٢٥٦، وكتب في ميثاق المدينة: " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم ".
ج. حق التملك: فلم يصادر أملاك أحد منهم، بل أقر النبي ﷺ المسلمين على تجارتهم معهم.
د. حق الحماية والدفاع: فقد جاء في ميثاق المدينة: " وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة "
هـ. حق العدل في المعاملة ورفع الظلم: وذلك مقرر في صحيفة المدينة حيث جاء فيها: " وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم "، وقد عدل النبي ﷺ في الحكم ولو كان ذلك على حساب المسلمين، فلما قتل أهلُ خيبر عبدَ الله بن سهل ﵁ لم يقض النبي ﷺ عليهم بالدية، ولم يعاقبهم على جريمتهم، لعدم وجود البينة الظاهرة ضدهم، حتى دفع النبي ﷺ ديته من أموال المسلمين، والقصة في البخاري (٦٧٦٩) ومسلم (١٦٦٩)، ولما اختصم الأشعث بن قيس ورجل من اليهود إلى النبي ﷺ في أرض باليمن ولم يكن لعبد الله بيِّنة قضى فيها لليهودي بيمينه، كما في البخاري (٢٥٢٥) ومسلم (١٣٨) .
و. بل منحهم النبي ﷺ حق التحاكم فيما بينهم إلى قوانين دينهم، ولم يلزمهم بقوانين المسلمين ما دام طرفا القضية من أتباعهم، إلا إذا ترافعوا إليه ﷺ، وطلبوا منه الحكم بينهم، فكان حينئذ يحاكمهم بشريعة الله ودين المسلمين، يقول الله ﷾: (فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة/٤٢.
٥. وقد كان النبي ﷺ يحسن معاملة جميع الناس، ومنهم اليهود، فقد أمر الله سبحانه بالقسط والبر وحسن الخلق وأداء الأمانة مع اليهود وغيرهم، حيث قال سبحانه: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) الممتحنة/٨.
ومن بره ﷺ في معاملة اليهود:
أ. أنه كان يعود مريضهم: روى البخاري (١٣٥٦) عن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ غُلَامًا مِنَ اليَهُودِ كَانَ يَخدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ: أَسلِم. فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِندَ رَأسِهِ، فَقَالَ لَه: أَطِع أَبَا القَاسِمِ ﷺ. فَأَسلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الحَمدُ لِلَّهِ الذِي أَنقَذَهُ مِنَ النَّارِ) .
ب. وكان ﷺ يقبل هداياهم: فقد روى البخاري (٢٦١٧) ومسلم (٢١٩٠) عن أنس بن مالك ﵁: (أَنَّ امرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنهَا) .
ج. كما كان ﷺ يعفو عن مسيئهم: إذ لم ينه عن قتل تلك المرأة التي وضعت السم في الشاة، ففي تكملة الحديث السابق: (فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ - قَالَ: أَوْ قَالَ: عَلَيَّ - قَالَ: قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: لَا)، بل وفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري (٣١٦٩) أن ذلك كان بعلم من اليهود وأنهم اعترفوا بمحاولة القتل بالسم، ومع ذلك لم يأمر ﷺ بالانتقام لنفسه، لكنه قتلها بعد ذلك لموت الصحابي الذي كان معه ﷺ وكان أكل من الشاة المسمومة، وهو بشر بن البراء ﵁.
وكذلك لما سحره اليهودي لبيد بن الأعصم، وعافاه الله من السحر، لم ينتقم منه ولا أمر بقتله، بل جاء في " سنن النسائي " (٤٠٨٠) وصححه الألباني عن زيد بن أرقم قال: (فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِذَلِكَ اليَهُودِيِّ وَلَا رَآهُ فِي وَجهِهِ قَط) .
د. وكان ﷺ يعامل اليهود بالمال، ويفي لهم معاملتهم: عن ابن عمر ﵄ قال: (أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) رواه البخاري (٢١٦٥) ومسلم (١٥٥١) .
وعن عائشة ﵂ قالت: (اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ) رواه البخاري (١٩٩٠) ومسلم (١٦٠٣) .
هـ. وفي أول قدومه ﷺ المدينة كان يحب موافقة اليهود في أعمالهم وعاداتهم ليتألف قلوبهم على الإسلام، ولكنه لما رأى عنادهم وجحودهم ومكابرتهم أمر بمخالفتهم، ونهى عن التشبه بهم.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْدِلُ شَعَرَهُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ فَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ رُءُوسَهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ) رواه البخاري (٣٧٢٨) ومسلم (٢٣٣٦) .
و. ولم يكن ﷺ يترفع عن محاورتهم، بل كان يتواضع لهم، ويجيب على أسئلتهم وإن كان مرادهم منها العنت والمجادلة بالباطل.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ﵁ قَالَ: (بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرْثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ فَقَالُوا مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَقَالُوا سَلُوهُ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ فَسَأَلَهُ عَنْ الرُّوحِ قَالَ فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ فَقُمْتُ مَكَانِي فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) رواه البخاري (٤٤٤٤) ومسلم (٢٧٩٤) .
ز. وكان يدعو لهم بالهداية وصلاح البال: فعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: (كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) رواه الترمذي (٢٧٣٩) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي ".
٦. وفي المقابل: لم يكن ﷺ يرضى أن ينتهك اليهود حرمات المسلمين، ويتمادوا في ذلك، فكان يعاقب كل من يعتدي على المسلمين ويظلمهم ويتجاوز حدوده في ذلك، فلما اعتدى بعض يهود بني قينقاع على امرأة مسلمة في السوق واحتالوا لكشف عورتها، وتوعدوا النبي ﷺ بالقتال، وقالوا: (يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس) نقله ابن حجر في " فتح الباري " وحسَّنه (٧ / ٣٣٢) فقام النبي ﷺ إليهم وأجلاهم من المدينة، وكان ذلك في شوال من السنة الثانية للهجرة.
ثم لما عَظُمَ أذى كعب بن الأشرف اليهودي للمسلمين، وبدأ يخوض في أعراضهم، ويشبب بنسائهم في شعره، وارتحل إلى مكة يحرض زعماء قريش على المسلمين أمر النبي ﷺ بقتله في قصة طويلة حدثت في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة، رواها البخاري (٢٣٧٥) ومسلم (١٨٠١) .
وكذلك لما تكررت محاولات بني النضير لقتل النبي ﷺ في قصص مشهورة يذكرها أهل المغازي والسير، ودسوا إلى قريش يحضونهم على غزو المدينة، ويدلونهم على العورة، أمر النبي ﷺ بإجلائهم من المدينة في السنة الرابعة من الهجرة. انظر " المغازي " للواقدي (١ / ٣٦٣ – ٣٧٠) و" سيرة ابن هشام " (٣ / ٦٨٢) .
وأما يهود بني قريظة فقد قتل النبي ﷺ مقاتلتهم لما غدروا به يوم الأحزاب، وتحالفوا مع قريش والعرب ضد المسلمين، وخانوا العهود معهم، وكان ذلك في العام الهجري الخامس.
انظر " سيرة ابن هشام " (٣ / ٧٠٦) .
وقد وردت أخبار كثيرة في أن النبي ﷺ كان يعفو عن كل من أظهر الوفاء بالعهد من اليهود، ولا يعاقب إلا من شارك في الغدر أو أقر ورضي.
انظر " السيرة النبوية الصحيحة " أكرم العمري (١ / ٣١٦)، وقد جاء في ميثاق المدينة: " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وأثم، فإنه لا يوتِغ – أي: يُهلِك - إلا نفسه وأهل بيته ".
وأخيرا لما رأى النبي ﷺ غدر اليهود وخيانتهم، أوحى الله إليه أن يُخلِصَ جزيرة العرب لديانة التوحيد، فلا يبقى فيها غير الدين الذي ارتضاه الله لنفسه.
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ أوصاهم في مرض موته فقال: (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) رواه البخاري (٢٨٨٨) ومسلم (١٦٣٧) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
1 / 1261