فنهض وعلى وجهه علامات الغضب وقال: «لا تجادليني، إن هذه المرأة إما أن يذهب حملها أو تموت، وقد قلت لك ذلك وكفى.» قال هذا وتحول نحو القصر الصغير، وقد أزفت الساعة السادسة وآن وقت العشاء ولم يكن قد تغدى فوجد المائدة مهيأة.
وعشاؤه بسيط، وفي تحضير طعامه على بساطته مشقة كبرى لشدة خوفه على حياته وسوء ظنه بمن حوله. ومن الاحتياطات التي اتخذها لوقاية نفسه أنه أبعد الطاهي الذي يصنع له الطعام عن كل علاقة بأهل الدولة، وأمره أن يقيم في حجرة بابها من الحديد على يسار باب القصر المسمى باب السلطنة (سلطنة قبوسي)، فيضع الطعام تحت مراقبة الكلارجي باشا، وكان لعبد الحميد ثقة شديدة فيه. فمتى نضج الطعام حمله إلى غرفة المائدة اثنان من الخدم بلباس أسود على مائدة أشبه بصندوق مقفل طوله 80 سنتيمترا عليه كساء من السجاد، ويمشي وراءهما خادم يحمل طبقا مغطى بكساء أسود وقد ضمت أطرافه وختم عليه الكلارجي باشي، ويأتي بعد ذلك خادم يحمل وعاء الخبز، ثم خامس يحمل زجاجة الماء مختومة أيضا. يسير هذا «الوفد» من المطبخ إلى غرفة المائدة باحترام، فإذا لقيهم أحد في أثناء الطريق انحنى احتراما لصاحب الطعام، حتى إذا بلغوا المائدة أدخل الكلارجى باشي الطعام وفض الأختام عنه بين يدي السلطان، وقدم له الأطباق وعليها الألوان فيتناول ما شاء.
فلما وصل عبد الحميد غرفة المائدة وجد الطعام قد وصل بأطباقه المختومة ففضها، وأكل وحده كعادته وهو غارق في بحار الهواجس. وكان القصر قد أنير كله كالعادة فانتقل إلى غرفة المطالعة وأخذ في مطالعة التقارير وهي كثيرة، لكنه أصبح بعد أمر سلانيك وجمعيتها لا يهمه غير الوقوف على خبرها فترك التقارير، ولم يشعر بالنعاس لأنه نام في أثناء النهار، فأراد أن يلهو بحضور التمثيل في مسرحه الخاص.
وكان له في يلدز مسرح للتمثيل وعرض الصور المتحركة لا يحضره إلا خاصته، فبعث إلى الفرقة أنه عازم على الحضور في المسرح تلك الليلة فاستعدوا للتمثيل، وأشار بمن ينبغي أن يحضره من خاصته، وفي جملتهم كبار رجال القصر. ولما ظهر السلطان في مقصورته وقف الحضور وصاحوا: «بادشاه مزجوق يشا»، وعزفت الموسيقى سلامه الخاص، ثم دار التمثيل. واتفق أن الرواية التي مثلت تلك الليلة فيها حكاية امرأة خانت زوجها وأغرت ابنها بقتله، فهاجت هواجس السلطان وتذكر حاله مع القادين ج، وتشاءم من الرواية واتخذها دليلا على صدق تخوفه، وبعث إلى مدير الفرقة يعاتبه لأنه لم يسأله عن الرواية التي يريد تمثيلها، وأمره أن يمثل رواية أخرى بطلها ملك يفوز على مكايديه كثيرا ما كان يحضرها ويسر من حوادثها، ولو لم يكن مدير تلك الفرقة أجنبيا لأمر بقتله، لكنه كان يخاف تدخل الأجانب.
وكان الحضور مشتغلين بأحاديثهم وعبد الحميد غارق في هواجسه، ولاحت منه التفاتة فرأى نادر أغا واقفا في مكان من المسرح تعود أن يقف فيه إذا أراد مخاطبة السلطان في أمر، فأومأ إليه فجاءه بخفة حتى دخل المقصورة فأمره أن يجلس، وسأله عن غرضه فقال: «إني أتمنى هناء مولاي، وقلت لعله يحتاج إلي في شيء.»
قال: «قد أصبت، إني في حاجة إليك، هل لقيت السلطانة الوالدة؟»
قال: «نعم يا مولاي، وقصت علي خبر غضب الذات الشاهانية.»
قال: «أرأيت ما فعلته تلك الحاضنة؟ إنها لم تفعله عن إهمال كما توهمت الوالدة السلطانة لكنها تعمدته بالرشوة، أغراها بذلك أعدائي قبحهم الله!» قال ذلك وصر بأسنانه وهز رأسه.
فقال نادر: «لم أفهم سبب غضب سيدي من حمل هذه القادين، فافرض أنها إحدى الجواري الكثيرات في يلدز و...»
فقطع السلطان كلامه قائلا: «لا ألومك على استغرابك غضبي، ولذلك فأنا أسر إليك السبب برهانا على ثقتي بك واعتمادي عليك.»
Shafi da ba'a sani ba