852

وأما قوله نحن لا نعبد ما هو مخلوق لله تعالى خاصة ...إلخ، فمبني على أن الذم والتوبيخ لهم ليس إلا في قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون}؛ لكن كل أحد يعلم أن الذم والتوبيخ في الجملتين معا أي أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون، على ما ذكرناه سابقا، ولنزده وضوحا فنقول: لاخفا في أنك لو قلت كيف تجعل معبودك مجرا كيفته وشكلته بيدك وجعلته على الصورة التي أردت؟ وهل ينبغي لك أن تتخذ ما هو داخل تحت تصرفك معبودا لك رجاء النفع منه ودفع الضرر؟ ولم تعبد الله الذي خلقكوخلق ذلك الحجر لما بقى له إلا........برد الخزي والذلة والتلفع ........الإفتضاح من دون فعله، وظاهر أن معنىالآية أنه لاينبغي أن يعبد المخلوق على أنهما معا مخلوقان لله تعالى فضلا عن أن يعبده وهو الذي صوره، وكيفه وقدره ونحته جسما يريده، والحجة على هذا واضحة اللزوم كما مر، وأما على ما زعم المعترض فلهم أن ينازعوا، فإذا قيل لهم أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون أمكنهم أن يقولوا نحن بمقتضى هذا الكلام لانعبد ما نحتناه نحن وأثرنا فيه الأشكال، وإنما نعبد ما أوجد الله نحته وتشكيله وأثر فيه، وما جعله كذلك إلا وقد أراد أن يكون لنا معبودا، فقولك والله خلقكم وما تعبدون إن كان دالا على خلق الله لأعمالنا راجع إليك وعائد بالذم عليك، بل هو كلام متناقض في نفسه؛ لأن أولى الجملتين تعطي أنا نحن الذين أوجدنا النحت فيه، والجملة الثانية تعطي أن الله هو الذي أوجده، وكذلك الجملة الأولى تقتضي ذمنا على ما أوجدناه من عبادة ما صورنا، والثانية تفيد رفع الذم عنا، لما دلت عليه من أن الله هو الذي أوجد فينا هذه العبادة للأصنام كالتصوير الذي فيها، فتأمل يا أخا الأكراد هل لهذا الكلام رادا؟

أما حديث الكسب فلا تقدر أن تدعي أن عباد الأصنام كانوا يعقلونه كيف وقد تحير في معناه كبار أصحابكم الأشاعرة وهم إلى الآن في ظلماتهم يعمهون، وفي تصحيح مدلوله تائهون.

نعم كلامك هنا يقتضي أن عباد الأصنام يعقلون مذهب الكسب ولاينكرون أن يكون الشيء الواحد مخلوقا لله تعالى وواقع بتأثيره سبحانه وتعالى، حال كونه معمولا للعبد وواقعا بإحداثه، وأنهم يعرفون أن الإسناد إلىالعبد إذ لا يستلزم التحصيل والإيجاد، وإنما يقتضي أن يكونوا محلا للأعمال التي يوجدها الله تعالى فيهم من الطاعات والمعاصي وسائر الأفعال، وأنهم بمعزل عن تحصيل شيء من أعمالهم، ومن تجاسر على أن يقول أنهم أي عباد الأصنام أقاسوا ذلك القياس الذي ذكره المعترض لم يستقبح أن يقول أنهم يعرفون كسب الشيخ الأشعري ويدينون به.

Shafi 958