615

وأما قوله: والغرض الواحد لا يقوم بمحلين، ففيه خبط منشأه خلط بين القيام والاستمداد، فإنا نقول: إن بعض الأشاعرة قد يستمد من أكثر من محلين، وإن كان لا يقوم إلا بمحل واحد، ألا ترى أن الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة أغراض، ولا شك في أنها تسمد من محل ومحلين وأكثر، ولا مانع إلا عند أمثال هذا المعترض، ومن البن أن العلم والاعتقادات تستمدان من الأسباب التي تقع مباشرتها للاكتساب بالاتفاق وهما غرضان بالاتفاق أيضا، إلا أن المعتزلة وإمام الحرمين من الأشاعرة يقولون: إن الاعتقاد أعم من العلم، وظاهر كلام الرازي اختياره وبقية، الأشاعرة يجعلون الاعتقاد قسيما للعلم، ولا بأس بذلك فيما نحن فيه، ولك أن تقول: أن المؤلف لم يذهب فيما ذكره إلا إلى نحو ما ذهب إليه أبو علي في قوله: إن الحياة مفتقرة إلى الدم، وأبو هاشم في قوله: إنها أي الحياة مفتقرة إلى الرطوبة واليبوسة والروح، فيكون حاصل كلام المؤلف أن للعقل افتقارا إلى مادة في الدماغ، لا أنه جعل على وجهة الاستمداد كما وجهنا به، ولا على جهة القيام حتى يجاب عليه بأنه يلزم قيام الغرض بأكثر من محل، كما وهمه المعترض، فقوله: لا يقوم بمحلين لا يضر المؤلف، ولا ينفع المعترض، ولنا أن نقول: إن أراد به دعوى الكلية -أي أن كل غرض كذلك- فممنوع لما ثبت من قيام التأليف بمحلين عند أصحابنا البهشمية وغيرهم، وليس في كتب الأشاعرة ما يعتمد عليه في نفي هذا، فإن أمثل أدلتهم أن العقل حاكم بديهة باسحتالة كون الموجود الواحد في مضوعين سواء كان جوهرا أو غرضا، فيمتنع قيام الغرض بمحلين، وأنت تعرف أنه لا ينتهض، ودعوى البداهة في محل النزاع مما لا يليق بأهل الانصاف، وإن قد قيل بجواز اختلاف البديهيات بالنظر إلى مراتب الاستعداد، وجواز المكابرة والعناد، وما يقال في توجيه القول باستحالة قيام الغرض الواحد بمحلين، أنه لو جاز في العقل أن الغرض الحال في هذا المحل مثلا هو الحال في ذلك المحل، لجاز مثل ذلك في الجسم، والتالي باطل بديهة فالمقدم مثله، وأيضا لو جاز ذلك لزم اجتماع علتين مستقلتين على معلول شخصي، لما تقرر عندهم أن تشخص الاغراض ليس إلا لمحال لمحالها لكن اللازم محال، فلا صحة للزوم، وأيضا لو جاز القيام بمحلين لامتنع الجزم بأن السواد الحال في هذا المحل غير السواد الحال في ذلك المحل لاجتماع أن يكون عينه لكن التالي باطل لحصول [320] الجزم بالغيرية فالمقدم مثله، فجوابه عن الأول بأن قياس الاغراض على الأجسام غير معقول إذ لو صح لما جاز أن يحكم باجتماع غرضين مختلفين في محل واحد قياسا على امتناع الجسمين في مكان واحد، لكن التالي باطل لاجتماع البياض والحلاوة في العسل واجتماع الحركة واللون مثلا مكان واحد وهو بديهي الجواز، ثم أن العقل إنما حكم باستحالة كون الجوهر في موضعين لاقتضاء التحيز، وتضاد الكونين في محلين فلولا أن الجوهرية تقتضي التحيز لم يحكم العقل باستحالته، كيف والباري تعالى لما لم يكن متحيزا لم يحكم العقل بأنه داخل العالم، ولا خارج عنهم، وعن الثاني يمنع أن يكون علة التشخص للغرض هو المحل لما لا يجوز أن يكون العلة أمرا مفارقا، ولذا أثبت بعض المعتزلة أغراضا لا محل لها كإرادة القديم والفناء، والتعظيم، والاستحقاق كما هو معروف في محله، وعن الثالث بالمنع أيضا؛ لأن القائل بقيام الغرض بمحلين لا يسلم الجزم المذكور، بل هو عنده في حين المنع، ولو وقع الجزم للجميع، لارتقع الخلاف، وإن أراد غير الكلية فلا يجد به نفعا، إذ للمؤلف المنع في هذه المادة، وهذا كلام لم يخرج عن الحادة وهي من باب ارخاء العنان والمجاراة في هذا الميدان، وإلا فإنا قد أوضحنا غلطه من أول وهلة، حيث بينا أن الحول غير الاستمداد كما لا يخفى على ذوي الاستعداد الناظرين لما في كلام المعترض من الفساد ولكن أن نقول: إن الحياة غرض واحد قائم بالبنية المشتملة على الأعضاء المتعددة وتمنع كون ذلك يقتضي تعدد المحل للغرض الواحد لما لا يجوز أن يكون المجموع محلا واحدا مثل هذا جاز فميا نحن فيه، وكل من نظر في كلام الجميع من المتكلمين في الحياة والبنية لم يستبعد ما ذكرناه، والله الهادي لمن استشهداه.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: جمهور أئمتنا العقل معنى غير الضرورية... إلخ.

قال المعترض: كأن المراد بهذا ما ذكره الإمام الرازي بأنه غريزة يتبعها العلم بالضروريات عند سلامة الآلات والعالم لم يزل عقله بهذا المعنى وإن لم يكن عالما في حالة النوم بشيء من الضروريات لاختلال وقع في الآلات، وكذا الحال في اليقضان الذي لا يستحضر شيئا من العلوم الضرورية لدهشة وردت فظهر أن استدلال المؤلف بزواله عند النوم وعوده عند التيقض لا يثبت إلا العقل بمعنى العلم، لا العقل بمعنى الغريزة المذكورة التي هي معنى عين الضرورية.

Shafi 685