فعم الناس إحسانه مع ما قلده به من حوله، ثم بنى الثغور، ومدن المدن، وحصن الحصون مثل طرسوس وأذنة، وعمر المصيصة ومرعش، وأحكم بناء الحرمين وغير ذلك من دور السبيل، والمواضع للمرابطين، واتبعه عماله، وسلكوا طريقته، وقفته رعيته مقتدية بعمله مستنة بإمامته، فغمط الباطل، وأظهر الحق، وأنار الإسلام، وبرز على سائر الأمم، وكان أحسن الناس في أيامه أم جعفر زبيدة بنت المنصور؛ لما أحدثته من دور السبيل بمكة، واتخاذ المصانع والبرك والآبار بها، وطريقها المعروف إلى هذه الغاية، وما أحدثته من الدور للتسبيل بالثغر الشامي وطرسوس، وما وقفت على ذلك من الوقوف، وما ظهر في أيامها من فعل البرامكة وجودهم، وأفضالهم، وما اشتهر عنهم من اتصالهم.
وكان الرشيد أول خليفة لعب بالصولجان في الميدان، ورمى بالنشاب في البرجاس، ولعب بالكرة والقبقاب، وقرب الحذاق في ذلك، فعم الناس ذلك، وقلدوه في فعله، وكان أول من لعب بالشطرنج والنرد من خلفاء بني العباس، وقدم اللعاب، وأجرى عليهم الرزق، فسمى الناس أيامه لنضارتها وكثرة خيرها وخصبها أيام العروس، إلى كثير مما يجاوز النعت، ويفاوت الوصف.»
قال القاهر: «أراك قد قصرت في تفصيل أعمال زبيدة أم جعفر»، قلت: «يا أمير المؤمنين ميلا إلى الاختصار، وطلبا للإيجاز» قال: «زدني فيها»، قلت: «نعم يا أمير المؤمنين، كان من فعلها وحسن سيرتها في الجد والهزل ما برزت فيه على غيرها، فأما الجد: فالآثار الجميلة التي لم يكن في الإسلام مثلها، مثل حفر العين المعروفة بعين المشاش بالحجاز، وإنفاقها الألوف على ذلك عدا ما كان في وقتها من البذل، وما عم أهل الفاقة من المعروف والخصب، وأما الوجه الثاني: فمما تتباهى به الملوك في أعمالها، وينعمون به في أيامهم، فهي أنها أول من اتخذ الآلات من الذهب والفضة المكللة بالجواهر، وصنع لها الرفيع من الوشي، حتى بلغ الثوب الذي اتخذ لها خمسين ألف دينار، وهي أول من اتخذ الشاكرية من الخدم والجواري يختلفون على الدواب في جهاتها ويذهبون في حوائجها برسائلها وكتبها، وأول من اتخذ القباب من الفضة والأبنوس والصندل وكلاليبها من الذهب والفضة، ملبسة بالوشي والسمور والديباج، وأنواع الحرير من الأحمر والأصفر والأخضر، واتخذت الخفاف المرصعة بالجوهر وشمع العنبر، ولما أفضى الأمر إلى ولدها الأمين، ورأت شدة شغفه بالخدم واشتغاله بهم، اتخذت الجواري المقدودات الحسان الوجوه، وعممت رؤوسهن، وجعلت لهن الطرر والأصداغ والأقفية، وألبستهن الأقبية والقراطق والمناطق فبانت خدودهن وبرزت أردافهن، وبعثت بهن إليه، فاختلفن في يديه، واستحسنهن واجتذبن قلبه إليهن، وأبرزهن للناس، واتخذ الناس من الخاصة والعامة الجواري المطمومات، وألبسوهن الأقبية والمناطق وسموهن الغلاميات.»
الخلاصة
ونحن إذا لخصنا أوصاف الرشيد من كل ما رأينا، عرفنا أنه كان في جسمه: أبيض جميلا، جعد الشعر، قد وخطه الشيب، وفي عقله: مثقفا، واسع الثقافة في العربية والفارسية، وفي أخلاقه: حاد العاطفة؛ قد يغضب لأتفه سبب، ويقتل لأتفه سبب، ويعفو لأتفه سبب، يجد لأبعد حد؛ فيحارب حروب الأبطال، ويتغلب على كل الثورات، ويصلي ويحج، ويقود الصائفة أحيانا، والشاتية أحيانا، ويتباهى فيأتي بالعجب العجاب أمام الوفود والزائرين، ويتخاشع فيبكي بكاء مرا، ويلهو فتكون له المجالس الرائعة في الغناء والرقص، وما إلى ذلك ...
وهذه كلها نتيجة العاطفة الحادة، وله إلى جانب ذلك ضمير حي؛ يقتل البرامكة أحيانا، ثم يحزن لفقدهم، ويقتل الطالبي ويحزن لقتله، ويحبس ثم يندم فيطلق، ويقول فيحسن القول، ويشرف على أولاده فيحسن تربيتهم، ويسمع الشعر فيتذوقه.
ويظهر أنه كان متدينا شديد التدين، ولكن ليس واسع الصدر في دينه سعة ابنه المأمون؛ بلغه مرة أن بشرا المريسي يقول بخلق القرآن، فقال: «والله لئن وجدته لأقتلنه»، فإيمان الرشيد كإيمان العجائز، وكان وديعا حتى ليصب الماء على يد ضيفه إذا كان من العلماء، وقد روى أبو معاوية قال: أكلت مع الرشيد يوما، ثم صب على يدي رجل لا أعرفه، ثم قال الرشيد: أتدري من يصب على يديك؟ قال: لا، قال الرشيد: أنا؛ إجلالا للعلم!
وكان قريب الدمع مما يدل على شدة عاطفته، حتى قال منصور بن عمار: «ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة: الفضيل بن عياض، والرشيد، وآخر.»
وكان كريما؛ فكم روى من عطائه مئات الألوف؛ إما لمغن يجيد الغناء، أو لواعظ يحسن الوعظ فيبكيه، أو لشاعر يمدحه فيعرف كيف يمدحه، أو غير ذلك.
وقد قالوا: إنه كان يقتفي أثر جده المنصور في حزمه وشدته وإحساسه بالتبعة إلا البخل ... فقد عرف المنصور ربه، وعرف الرشيد بالكرم، وزاد الرشيد قوة وعظمة كثرة النابغين حوله في مختلف العلوم والفنون؛ فالأصمعي في اللغة، وأبو يوسف في الفقه، وإسحاق الموصلي في الغناء، والبرامكة للوزارة، مما جعل قصره كعبة يحج إليها، وعروسا تتباهى بجمالها.
Shafi da ba'a sani ba