ومات وهو ابن خمس وأربعين سنة، ويحدثنا المؤرخون أنه كان جميلا، وسيما، أبيض، جعد الشعر، وقد وخطه الشيب في آخر أيامه.
خاتمة
ونحن إذا أحصينا عمر الخلفاء الأمويين والعباسيين، وجدنا متوسط حياتهم بين الخمسة والأربعين والخمسين، وبعبارة أدق حول 48 سنة، وإنما قصر عمرهم لشدة مشاغلهم، وإفراط أكثرهم في الشهوات، وتحملهم أكبر المسئوليات، وتناسلهم من أصل قصر عمره.
وذكر المسعودي عن محمد بن علي العبدي العباسي الخراساني الأخباري أن الخليفة القاهر - وكان شديدا متقلبا متلونا يهابه الناس، ويخشون صولته - قال للعبدي هذا: «أخبرني عن بني العباس أخلاقهم وشيعهم من أبي العباس إلى من دونه» فقال العبدي: «على أن لي الأمان يا أمير المؤمنين» قال: «ذلك لك»، قلت: «أما أبو العباس عبد الله فكان سريعا إلى سفك الدماء، واتبعه عماله في الشرق والغرب، واستنوا بسيرته، أما المنصور فكان - والله - أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس بن عبد المطلب، وبين آل أبي طالب، وقد كان أمرهم قبل ذلك واحدا، وكان أول خليفة قرب المنجمين، وعمل بأحكام النجوم، وكان معه نوبخت المجوسي المنجم، وأسلم على يديه، وإبراهيم الفزاري المنجم، وعلي بن عيس الإسطرلابي المنجم، وهو أول خليفة ترجمت له الكتب من اللغات الأعجمية إلى العربية؛ منها كتاب كليلة ودمنة، وكتاب السند هند، وترجمت له كتب أرسططاليس من المنطقيات وغيرها، وترجم له كتاب المجسطي لبطليموس، وكتاب الأرثماطيقي، وكتاب إقليدس، وسائر الكتب القديمة من اليونانية والرومية والفهلوية والفارسية والسريانية، وخرجت إلى الناس فنظروا منها، وتطلعوا إلى علمها، وفي أيامه وضع محمد بن اسحاق كتاب المغازي والسير وأخبار المبتدأ، ولم تكن قبل ذلك مجموعة ولا معروفة ولا مصنفة، وكان أول خليفة استعمل مواليه وغلمانه وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، فاتخذ ذلك الخلفاء من بعده من ولده، فسقط العرب وزال بأسهم، وذهبت مراتبهم.
ولما أفضت الخلافة إلى المنصور نظر في العلوم، وقرأ المذاهب، وارتاض في الآراء، ووقف على النحل، فكثرت في أيامه روايات الناس، واتسعت عليهم علومهم، وجاء بعده المهدي فكان سمحا سخيا كريما جوادا، فسلك الناس في عصره سبيله، وذهبوا في أمرهم مذهبه، واتبعوه في مساعيهم.
وكان من فعله في ركوبه أن يحمل معه بدر الدراهم والدنانير، فلا يسأله أحد إلا أعطاه، وأمعن في قتل الملحدين والمداهنين لظهورهم في أيامه، وإعلانهم اعتقاداتهم في خلافته؛ لما انتشر من كتب ماني وديصان، مما نقله عبد الله بن المقفع وغيره.
وترجمت في أيامه كتب من الفارسية والفهلوية إلى العربية، فكثر بذلك الزنادقة، وظهرت آراؤهم في الناس، وكان المهدي أول من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب للرد على الملحدين وإقامة البراهين على المعاندين، وشرع في بناء المسجد الحرام، ومسجد النبي - عليه السلام - وبنى بيت المقدس، وقد كانت هدمته الزلازل.
وجاء بعده الهادي، فكان جبارا عظيما، وكان أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة، والأعمدة المشهورة، والقسي الموتورة، فسلكت عماله طريقته، ويمموا منهجه، وكثر السلاح في عصره.
وجاء بعده الرشيد، فكان مواظبا على الغزو والحج، واتخاذ المصانع والآبار والبرك والقصور في طريق مكة، ومنها عرفات ومدينة النبي
صلى الله عليه وسلم
Shafi da ba'a sani ba