Hamayan Zad Zuwa Gidan Gobe
هميان الزاد إلى دار المعاد
وجه الدلالة بالآيتين ظاهر لكن من تأويل الأولى، وأما الثانية فلا يتعين أن يكون النذير منهم، بل نظيرهم من الإنس رسول ينذرهم ويرسل إليهم، هو منذرا منهم، كما ذكر الإنذار مثل هذا وأريد به الإنذار بإرسال رسول الإنس رسولا منهم إليهم، إذ قال الله جل وعلا
وإذ صرفنا إليك
الآية وأيضا إذا كان فى أمة رجل مسلم أى يعظ ويذكر الأحكام والجن تسمع منه وتحضر مجلسه، فهو نذير الإنس خلاف الإنس والجن. وجه الدلالة بقوله { ولو جعلنا } وقوله
وما أرسلنا من رسول
لأن الحكمة فى جعل الرسل من الإنس للإنس، وجعلهم بلغة قومهم أن يتمكنوا من مواجهتهم ومن فهم كلامهم، ويأنسوا بهم، فكذا الرسول من الجن للجن أحق أن يتأسوا به، وقال الضحاك ومن تبعه يحتمل أن يكون جاء بعد الإجماع على أن لا رسول من الجن، فلا يعتد به، ويحتمل انعقاد الإجماع بعده فبلغه، وهذا كله بعد وجود الإنس، وأما من زعم أن الجن قد عمرت الأرض قبل آدم، وأن إبليس والعياذ بالله ذرية منهم لا أولهم فلا يصح عندنا معشر الأباضية، وعلى تقدير صحته فرسلهم منهم قطعا قبل آدم، وأجمعت الأمة أن رسول الله سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين.
وقيل رسل الجن منهم بواسطة رسل الإنس، بأن يوحى الله إلى رسول الإنس أن أرسل فلانا من الجن إليهم، وهذا لا بأس به، كما أنه لا بأس بما مر أولا من أن رسول الإنس يرسل إليهم بعضا منهم مفوضا، وجملة يا معشر الجن إلخ من مقول القول السابق، وقوله { إن ربك } إلى { يكسبون } معترض، ومنكم نعت رسل، ومن للتبعيض أو متعلق بيأتكم، ومن للابتداء، والرسل غير داخلين فى الخطاب بالراء وكاف يأتكم، والمعنى من جنسكم على التأويلات السابقة. { يقصون } يلتون ويلقون { عليكم آياتى } الآيات التى نزلت فى كتبى دالة على وجودى ووحدانيتى، وصدق رسلى، والجملة نعت رسل، أو حال منه، لكن الحال إذ جعلنا منكم نعتا والنعت يجوز مطلقا، وإذا جعلنا منكم نعتا جاز أن تكون الجملة أيضا حالا من المستكن فى منكم { وينذرونكم لقاء يومكم هذا } يوم القيامة وإضافة لقاء ليوم إضافة لمفعوله، أى يخبرونكم خبرا شديدا وهو أنكم تبعثون، فإن لم تؤمنوا فى الدنيا وتطيعوا عوقبتم يوم تبعثون. { قالوا شهدنا على أنفسنا } قال كفار الجن والإنس يوم القيامة شهدنا على أنفسنا أن الرسل جاءتنا وبلغتنا رسالتك وعصينا ولم نؤمن، وقد استوجبنا العذاب وذلك اعتراف بألسنتهم أو بجوارحهم حين ختم على أفواههم، أو ختم عليها فتكلمت جوارحهم بذلك، ثم نطقت ألسنتهم فقالت إن جوارحنا قد شهدت علينا، ذلك أنهم يوم القيامة تارة ينكرون وتارة يقرون، تقر جوارحهم وقد قالوا
والله ربنا ما كنا مشركين
فحينئذ ختم على أفواههم فنطقت جوارحهم، وهاهنا تم كلامهم واستأنف الله جل وعلا كلاما فى ذمهم فقال { وغرتهم الحياة الدنيا } زينت لهم القبيح الذى عاقبته النار وهو الكفر والمعاصى اشتغلوا بهما عن الآخرة، والعطف على قالوا، ولو اختلف زمن الغرور والقول أو حال ماضية، أو من جملة المقول على الالتفات أى وغرتنا الحياة الدنيا. { وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } بالبعث والرسول والوحدانية، أو بالله، فكل واحد ومقدار كفره، والجملة معطوفة على التى قبلها أو كلتاهما من الله، والأولى من مقولهم على الالتفات، والثانية من الله، ويجوز أيضا أن تكون الثانية من مقالهم أيضا مع الأولى على الالتفات، أى وغرتنا الحياة الدنيا، وشهدنا على أنفسنا أنا كنا كافرين، أى قد أقررنا لك بكفرنا على كل حال، فالله سبحانه ذكر ذلك تحذيرا عن حالهم.
[6.131]
{ ذلك } المذكور من بعث الرسل مع عقاب من لم يتبعهم { أن لم يكن ربك مهلك القوى بظلم } أن مصدرية مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها ويقدر قبلها لام التعليل، ويعلق بمحذوف خبر لمبتدأ الذى هو لفظ ذلك، أى ذلك ثابت لأنه لم يكن ربك مهلك أهل القوى بظلم لا يهلكهم بإرسال رسل إليهم ولو أهلكهم بدون إرسالهم لكن ظلما والله منزه عن الظلم لا يظلم، ولا يجوز فى صفته، وكذلك لو اتبعوا الرسل وأهلكهم مع ذلك لكان ذلك ظلما حاشاه، ويجوز كون ذلك خبرا لمحذوف، أى الأمر ذلك وإن لم يكن بدل من فيكن، فلا تقدر اللام والباء متعلق بمهلك لا يهلكهم بظلم منه لهم، أو بمحذوف حال من ربك أو من المستتر فى مهلك أو من القرى، ملتبسا بظلم منه أو ملتبسة بظلم واقع عليها منه تعالى، وهى للإلصاق المجاز أو بمعنى مع. { وأهلها غافلون } عن الشريعة خالون منها لعدم إرسال الرسل، والجملة حال أيضا، وصاحبها صاحب الحال الأول، وهى من حيث المعنى مؤكدة، لأن إهلاكهم بظلم هو إهلاكهم حال خلوهم من الرسالة، وإهلاكهم حال خلوم هو الظلم المذكور، وذلك أن تفاصيل الشريعة لا تدرك إلا بالرسل، بخلاف معرفة الله، فإن العقاب على تركها ولو بلا إرسال للرسل، وإذا جعلنا بظلم حالا جاز كون الجملة حالا من المستكن فيه، وأنت خبير أن الظلم فى الآية مسند على طريق النفى إلى الله تعالى وهو قول الفراء، ويجوز أن يكون المراد ظلما منهم وهو ذنوبهم، وهو قول الجمهور فتتعلق بمهلك لا غيره، فكون الباء للسببية فالمعنى لم يكن ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلمهم، أى ذنوبهم، والحال أن أهلها غافلون عن الشريعة، خالون عنها لعدم الإرسال إليهم. وعلى هذا فهذه الجملة حال غير مؤكدة، وأنت خبير بتقدير المضاف، أى مهلك أهل القرى، ولما حذف لم يقل وهم غافلون، ويجوز أن لا يقدر بأن يراد بإهلاك القرى تعطيلها وتخريبها، ويدل هذا على إهلاك أهلها أيضا، لأن خرابها بذهاب أهلها، ولا أعرف أن أن خفيفة مصدرية لا اسم لها ولا خبرها قبل لم وغيرها مما بعدها فيه مخففة مصدرية، وهنا أجاز القاضى كونها مصدرية خفيفة لا اسم لها ولا خبر، وأنها التى تدخل على المضارع وتنصبه، لم تنصب هنا لأنها لم تدخل عليه كما لا نصب لها إذا دخلت على الماضى نحو إن كان ذا حال، فعلى هذا يكون المعنى لانتفاء كون ربك مهلك القرى بظلم، وعلى أنها مخففة يكون المعنى ذلك لكون الشأن عدم كون ربك مهلك القوى بظلم.
Shafi da ba'a sani ba