Wannan Shi Ne Duk Abin
هذا هو كل شيء: قصائد من برشت
Nau'ikan
حمل معه مخطوطات قصائده ومسرحياته التي كان قد بدأها وأنجز معظمها في المنفى الدنمركي. وكان من أهمها مسرحيته التي دعمت شهرته العالمية وهي «الأم شجاعة وأبناؤها» التي تؤكد أن الحرب تجارة، وأن الإنسان العادي لا يتعلم منها إلا بقدر ما تتعلمه النملة من علم الحشرات! لم تكن هذه الأم شخصية تراجيدية يمكن أن تؤثر علينا بسقطتها النبيلة أو بالخطأ أو الذنب الذي تقع فيه دون ذنب كما تشهد التراجيدية القديمة والحديثة وكما عرفها أرسطو بالاستناد إلى شخصية أوديب. لقد جاء تأثيرها الجارف على النظارة والقراء من كونها امرأة عادية غبية لم تتعلم أي شيء من سقوط أبنائها الثلاثة ضحايا للحرب التي يديرها ويمولها علية القوم. والدليل على هذا أنها تجر عربتها في النهاية لتقديم المزيد من الضحايا الذين ستدوسهم عجلة الحرب! (أتيح لي أن أشاهد عرضها الرائع وتمثيل هيلينة فيجل (1900-1971م) لدور الأم على مسرح فرقة برشت في سنة 1960 فأثرت علي أنا أيضا وجعلتني أتشكك منذ ذلك الحين في إمكان التطبيق العملي لنظرية برشت الشهيرة عن أثر الإغراب).
وفي فنلندا تعرف على قصة شعبية عن رجل فاحش الثراء، كلما شرب وغرق في السكر امتلأ قلبه بحب البشر وبالكرم والعطف والإحسان البالغ على الخدم والأتباع الفقراء، حتى إذا أفاق من سكره ارتد إلى القسوة والبخل والفظاظة والظلم المعروف عن الرأسمالي الجشع، وأثبت استحالة التصالح بين طبقتي الملاك والمعدمين، والمستغلين والمستغلين، كما أكد إصرار برشت في هذه المسرحية الشعبية المرحة أيضا على أن ألف باء التغيير الحقيقي هو تغيير علاقات الملكية.
8
ويؤكد بعض النقاد أنه استفاد في هذه المسرحية من قراءاته السابقة لديدرو ومن أفكاره التي طرحها على لسان الخادم جاك «القدري» - في روايته المعروفة بهذا الاسم - عن سيده الأرستقراطي، كما انتفع بالفقرة الشهيرة في «ظاهريات الروح» لهيجل عن جدل السيد والعبد، لا سيما بالعبارة التي تقول إن العبد هو حقيقة السيد. ولعله قد ردد في نفسه أثناء العمل في هذه المسرحية ذلك السؤال الحاسم: «من ... من؟» أي من يضطهد من، ومن المنتصر ومن المهزوم؟
وقد كثف هذا كله تكثيفا شعريا في أغنيته عن نهر المولداو، وهي إحدى أغنيات مسرحيته «شقايك في الحرب العالمية الثانية» (1943م): في قاع المولداو تجري الحصى الحجرية، وفي براغ دفن ثلاثة قياصرة، لا الكبير يبقى كبيرا ولا الصغير صغيرا، الليل يدوم اثنتي عشرة ساعة ثم يطلع النهار. الأوقات تتغير وتتحول. المشروعات الضخمة للحكام الأقوياء تتوقف في النهاية حتى لو تبختروا في مشيتهم كالديوك الدموية، فالأوقات تتحول وتتغير، والقوة لا تجدي شيئا. في قاع المولداو تتجول الحصى الحجرية، وهناك ثلاثة قياصرة مدفونون في براغ. لا الكبير يبقى كبيرا ولا الصغير صغيرا. والليل يدوم اثنتي عشرة ساعة ثم يطلع النهار ...
ووصل مع عائلته إلى كاليفورنيا حيث تنقل بين لوس أنجيلوس وسانتا مونيكا وهوليوود بالولايات المتحدة الأمريكية بعد رحلة برية وبحرية شاقة. وفي السوق الذي تشترى فيه الأكاذيب وتباع، تحتم عليه أيضا أن يقف في الصف ليعرض أكاذيبه على صرافي الوهم وغسل المخ في هوليوود (بعض الحوارات وسيناريوهات أفلام صور منها بإخراج فريتز لانج فيلم الجلادون أيضا يموتون عن مقتل الجلاد النازي هيدريش في براغ). هنا كتب مرثيات هوليوود التي تدل على إحساسه بأنه وجد نفسه يعيش في جحيم أرضي، كما كتب حكاية شعرية عن المذنبين في الجحيم - وهي حكاية يؤكد فيها بسخريته اللاذعة أن الجحيم لا يوجد على الأرض فحسب، ولا في لندن كما قال شيللي شاعر الرومانسية الإنجليزية، وكما قال هو نفسه قبل ذلك بكثير في أوبرا مهاجوني، وإنما هوليوود هي الجحيم نفسه. صحيح أنه اختلط بكثير من المهاجرين الألمان الذين سبقوه إلى العيش في ضاحية سانتا مونيكا، وكان من بينهم بعض أعلام الأدب والموسيقى والفن التشكيلي بجانب اثنين من أقدم أصدقائه وأقربهم إليه (الكاتب ليون فويشتفنجر والملحن هانز آيزلر) ولكنه وجد كذلك بعض المهاجرين الذين لم يرتح إليهم أبدا، مثل تيودور أدورنو وهور كهيمر وبولوك من الأعضاء البارزين لمدرسة فرانكفورت النقدية الاجتماعية الذين لاذوا بمعهدهم الشهير للبحوث الاجتماعية إلى أمريكا، واستطاعوا بكتاباتهم أن يضخموا عقدة الذنب الألماني عن محارق النازي لأبناء ملتهم من اليهود، وهو ما استغلته إسرائيل بعد ذلك أبشع استغلال في صورة تعويضات بالمليارات! كما ضاق بوجود توماس مان الذي لا أشك في أنه ظلمه عندما تصور أنه أحد «المتعهدين» بتقديم الأدب المعبر عن الرأسمالية للرأسماليين، وأنه هو الذي أوحى إلى الحلفاء بمعاقبة الشعب الألماني لمدة عشر سنوات - وهكذا وجد نفسه محاصرا في الجحيم: مسرحياته شبه ممنوعة أو مشبوهة (باستثناء جاليليو) - وسيناريوهاته للسينما شبه مرفوضة، وجيرانه الذين يختلط بهم لا يشاركونه آراءه وأحلامه عن ألمانيا أخرى موحدة وحرة ومسالمة يعيش فيها شعب يضع يده في أيدي جميع الشعوب، بدلا من معاقبته وتضخيم عقدة ذنبه التي أسيء استغلالها أسوأ استغلال ومن كل النواحي كما سبق القول.
كانت الحرب قد انتهت وبدأت شقة الخلافات والشكوك في الاتساع بين أمريكا والاتحاد السوفيتي الذي لم يخف أطماعه التوسعية تحت قبضة ستالين، مما حمل الأمريكيين على الخوف من كل ما هو «أحمر»، وملاحقة كل نشاط يتوهمون أنه معاد لهم. واستدعي برشت إلى الإدلاء بشهادته أو لتبرئة نفسه أمام لجنة التفتيش الشهيرة (التي سمت نفسها لجنة النشاط المعادي لأمريكا ولم تستثن بعض الكتاب الأمريكيين والفنانيين اللامعين مثل تشارلي شابلن وآرثر ميللر وليليان هيلمان). وأعد برشت مرافعة دقيقة وأمينة لم يعط الفرصة لإلقائها أمام اللجنة في الثلاثين من أكتوبر 1947م، ولكنه أكد فيها أنه لم يشارك أبدا في أي نشاط حزبي، وأنه كتب ما كتبه من شعر ومسرح ضد هتلر وعصابة القتلة من حوله بدافع أدبي خالص وانطلاقا من ضميره الحر كشاعر وكاتب حر. ولم تجد اللجنة فيما تحت يدها من ترجمات إنجليزية لأشعاره ومسرحياته أي تهمة محددة يمكن أن تدين قلما نذره صاحبه للدفاع عن الحرية والعدل والسلام فأطلقت سراحه.
وبدأ برشت في اليوم التالي مباشرة في الاستعداد للرجوع إلى بلاده هربا من المنفى ومن الجحيم.
وصل مع أسرته، بجواز سفر نمسوي، إلى زيوريخ في سويسرا حيث كان في انتظاره مدير مسرحها وصديقه (كورت هيرشفيلد) الذي سبق له تقديم ثلاث من أهم مسرحياته وبدأ معه في العمل لعرض «السيد بونتيلا وتابعه ماتي». وجاءته دعوة من الشاعر ووزير الثقافة في حكومة ألمانيا الشرقية السابقة (يوهانيس بيشر) لحضور مؤتمر ثقافي. وحاول في الطريق أن يزور أوجسبورج مسقط رأسه وميونيخ التي درس فيها في شبابه فمنعته من ذلك سلطات الاحتلال الأمريكية. وفي برلين الشرقية التي احتفلت به وببعض المهاجرين العائدين في بيت الاتحاد الثقافي للتجديد الديمقراطي بقي صامتا لا يفتح فمه بكلمة واحدة (كما قال بعد ذلك في مذكراته )
9
Shafi da ba'a sani ba