Dhu Nurayn Usman Ibn Affan
ذو النورين عثمان بن عفان
Nau'ikan
ونعود فنقول: إن شخصية عثمان بما اشتملت عليه من نواحي قوتها وضعفها شخصية سوية، لا تناقض بين ما علمناه من أخبارها وأعمالها، وبين ما نرجحه من المؤثرات فيها من فعل البيئة والعقيدة، وقد ذكرنا بين مؤثرات البيئة: وراثته الأموية، ويتمه في صباه، ونشأته في بيت يتولاه غير أبيه، وانتماءه من جانب الأمومة إلى بيت عبد المطلب؛ وعلينا أن نشير إلى مؤثر آخر يلحق بهذه المؤثرات ولا يورد على أنه مؤثر يتواتر في جميع الحالات؛ ولكنه يورد لأنه لا يهمل في اعتبار بعض النفسانيين.
ذلك السبب هو إصابته بالجدري في شبابه، وعند بعض النفسانيين أن الجدري يعقب أثرا في بنية المصاب به إذا أهمل علاجه - بعد سن الطفولة خاصة - وليس إهمال علاجه يومئذ بالأمر البعيد.
أما أثر العقيدة فمن الواجب ونحن نتعرف معادن الشخصية الإنسانية أن نثبت من معاييره في تقويم الأخلاق والتفرقة بين فاضلها ومفضولها، ويجب هذا التثبت خاصة في الزمن الذي يكثر فيه الخلط بين قيمة الفضيلة وبين التعريف بأسبابها، فيعذر بعض المقصرين أنفسهم أن يكونوا دون المؤمنين بالدين شجاعة وسخاء، ويقولون: إننا كنا خلقاء أن نقدم مثل إقدامهم، ونسخو مثل سخائهم، ونجود بالروح والمال مثل جودهم، لو كنا ننتظر الجزاء في اليوم الآخر أضعافا مضاعفة من النعيم والسعادة.
وتلك في الواقع خديعة الطبع اللئيم، وإنهم ليزعمون أنهم يشجعون ويجودون لو آمنوا بالجزاء بعد الموت، والواقع أنهم واهمون أو مغالطون، وإن لهم أشباها صدقوا بالجزاء بعد الموت ولم يتركوا الجبن والشح، ولا تركوا ما هو أقبح من الجبن والشح وهو: السلب والغصب والعدوان على النفس والمال.
فانتظار الجزاء بعد الموت لا يبطل قيم الأخلاق، ولا يجعل الشجاع غير شجاع، أو الكريم غير كريم في ميزان الخلق المحمود.
قلنا في كتابنا أبي الشهداء: «كذلك يقول من يقول: إن الأريحية التي سمت إليها طبائع أنصار الحسين إنما هي أريحية الإيمان الذي يعتقد صاحبه أنه يموت في نصرة الحسين؛ فيذهب لساعته إلى جنات النعيم. فهؤلاء الذين يقولون هذا القول يجعلون المنفعة وحدها باعث الإنسان إلى جميع أعماله، حتى ما صدر منها عن عقيدة وإيمان، وينسون أن المنفعة وحدها لن تفسر لنا حتى الغرائز الحيوانية التي يصاب من جرائها الفرد طوعا أو كرها في خدمة نوعه، بل ينسون أن أنصار يزيد لا يكرهون جنات النعيم ولا يكفرون بها؛ فلماذا لم يطلبوها كما طلبها أنصار الحسين؟ إنهم لم يطلبوها؛ لأنهم منقادون لغواية أخرى؛ ولأنهم لا يملكون عزيمة الإيمان ونخوة العقيدة، ولا تلك القوة الخلقية التي يتغلبون بها على رهبة الموت، ويقرعون بها وساوس التعلق بالعيش، والخنوع للمتعة القريبة، فلولا اختلاف الطبائع؛ لظهر شغف الناس جميعا بجنات النعيم على نحو واحد، ومضى الناس على سنة واحدة في الأريحية والفداء. ومرجع الفرق إذن في آخر المطاف إلى فرق واضح بين طبائع الأريحيين وطبائع النفعيين.»
وهذا الفرق بين الطبائع هو الذي نرجع إليه في رجل يمتاز بالشجاعة البالغة، ورجل يمتاز بالسماحة البالغة، ولا يمتازان بمزية واحدة، وكلاهما يؤمن بالثواب والعقاب.
وهذا الفرق بين الطبائع هو الفرق بين من يطمح إلى المثل الأعلى ولا يقنع بما دونه، وبين من يكفيه من الجزاء أنه يؤمن العذاب.
وهذا الفرق بين الطبائع هو الفرق بين فرقتين من المسلمين تحارب كلتاهما في صف، وكلهم مصدقون بجزاء السماء واطلاع علام الغيوب بما يطوونه في الخفاء.
فالعقيدة الدينية لا تبطل سماحة عثمان ولا تغض من قيمتها، وتظل هذه السماحة سماحة مقومة في معيار كل فضيلة ومعيار كل فاضل، لا يغير منها أن العقيدة بعثتها في مبعثها هذا، أو حركتها بعد سكون، أو خلقتها خلقا من حيث لم تكن. فقد كان مع عثمان أناس من منبته لم يعتقدوا كما اعتقد، ولم يزل بينهم وبين الاعتقاد حجاب من: عوج العقول، وعمى الأبصار، وأثرة الجهالة، وكل أولئك محسوب معدود في معايير الأخلاق.
Shafi da ba'a sani ba