Dhu Nurayn Usman Ibn Affan
ذو النورين عثمان بن عفان
Nau'ikan
ومضى الناس يتنافسون، ويؤمرون أن يتنافسوا في مثل هذا الفضل، فهم فيه متنافسون مجدون، وقد رأينا كيف كان أناس في رجاحة أبي عبيدة وعثمان يتعارفون على هذا التنافس الذي لا يخجل فيه أخ من أخيه ولا صديق من صديقه؛ فلا ينقم مسبوق على سابق، ولكنه يغبطه ويستحث عزائمه على سبقه ما استطاع.
وهكذا نظر عثمان إلى أكفائه فوجد أنه لم يسبقهم في ميادين الجهاد؛ بالسيف فآلى على نفسه ليسبقنهم في ميادين الجود والسخاء، وثابر على ذلك من أول أيامه في الإسلام إلى ختام أيامه في الحياة، فهاجر إلى الحبشة وهو يعلم أن ماله كله عرضة للضياع من جراء هذه الهجرة؛ فلم يبال ما بقي منه وما ضاع، وتقدم في كل محنة أصابت المسلمين من فاقة أو قحط أو نقص في السلاح والعتاد، فبذل من المعونة والعطاء ما لم يبذله أحد من أمثاله في ثرائه، وما لم يبذله الذين هم أقدر منه على معونة أو عطاء، ولم يكن على أية حال بأغنى الأغنياء.
وكانت له سماحة محببة حيث يجود ويتكلم بكلام التجار في مساواتهم، وهو على غاية الجود.
قال ابن عباس: «قحط الناس في زمن أبي بكر، فقال أبو بكر: لا تمسون حتى يفرج الله عنكم، فلما كان من الغد جاء البشير إليه، فقال: لقد قدمت لعثمان ألف راحلة برا وطعاما، فغدا التجار على عثمان؛ فقرعوا عليه الباب فخرج إليهم وعليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه، فقال لهم : ما تريدون؟ قالوا: بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة برا وطعاما. بعنا حتى نوسع على فقراء المدينة، فقال لهم عثمان: ادخلوا! فدخلوا، فإذا ألف وقر قد صب في الدار، فقال لهم: كم تربحوني على شرائي من الشام؟ قالوا: العشرة اثني عشر. قال: قد زادوني. قالوا: العشرة أربعة عشر. قال قد زادوني. قالوا: العشرة خمسة عشر. قال: قد زادوني. قالوا: من زادوك ونحن تجار المدينة؟
قال: زادوني بكل درهم عشرة. هل عندكم زيادة؟ قالوا: لا. قال: فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة.»
ويشير عثمان هنا - كما هو ظاهر - إلى جزاء الحسنة بعشرة أمثالها عند الله، ولن تعدم في هذا المقام ابتسامة سخف على فم متذحلق يقول: أما أعطى عطاءه وهو ينتظر الجزاء في الآخرة؟ فلقد آمن بالآخرة ألوف من ذوي الأموال التي لا تفنى، وهم لا يبضون بدرهم يوقنون من جزائه ما أيقنه عثمان.
وكان يدخل عرف الإحسان في صفقات التجارة، وهي تلك المعاملة التي اصطلح الناس قديما على أنها شيء يتقدم فيه حساب المنفعة على حساب المودة، بل القرابة، وممن يعبرون اليوم عن هذا المعنى ويقولون باصطلاح العصر من يعبرون عن معنى قديم تفاهم عليه المتعاملون بالبيع والشراء من أقدم الأزمنة، فقيل من أخباره في هذه الخصلة: إنه ابتاع حائطا - أي بستانا - من رجل، فساومه حتى قام على عثمان فالتفت عثمان إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: إن الله عز وجل أدخل الجنة رجلا كان سمحا بائعا ومبتاعا وقابضا ومقبضا، ثم زاد البائع العشرة الآلاف.
وأسعدت شمائل السماحة فيه بخصال أندر في أبناء النعمة من خصال الكرم والإحسان، فقد يهون على المرء أن يتجرد من بعض ماله، ولا يهون عليه أن يتجرد من بعض كبريائه وخيلائه وتعاليه على أنداده ونظرائه فضلا عمن يعلوهم بالبسطة والجاه، وكان المأثور عن عثمان كما روى صاحب الصفوة عن مولاة له أنه «كان لا يوقظ أحدا من أهله إلا أن يجده يقظان فيدعوه.»
Shafi da ba'a sani ba