فمن الجائز أن «المستقبل» معدوم في الزمان المنقطع موجود في الأبد الذي ليس له انقطاع.
ومن الجائز أن يكون الزمن نفسه متعدد الأبعاد فيتلاقى فيه شيء من الحاضر وشيء من الماضي وشيء من المستقبل في بعض تلك الأبعاد.
ومن الجائز أن المستقبل يتكشف لعقل الإنسان من إيحاء العقل الأبدي المطلع عليه كما يطلع على ما حصل وما هو حاصل بلا اختلاف، وقد جاز أن ينتقل علم من عقل إنسان إلى عقل إنسان فينطبع فيه بالتوجيه والإيحاء كأنه منظور ومسموع، فلماذا لا يجوز أن تنتقل وقائع المستقبل إلى علم الإنسان من العقل الأبدي؟ وهل نستطيع أن نقرر وجود العقل الأبدي دون أن نقرر أنه مطلع على كل ما يقع في الأبد الأبيد؟
فالذي يجزم باستحالة الاطلاع على المستقبل عليه أولا أن يجزم بالصورة الصحيحة للزمن ويجزم بأنها لا توافق الاعتراف بوجود المستقبل على وجه من الوجوه.
وعليه «ثانيا» أن يجزم باستحالة «العقل الأبدي» واستحالة الإيحاء منه إلى العقول الإنسانية.
وعليه أن يقيم الدليل على هذا المستحيل أو ذاك المستحيل، ولا دليل.
وربما خطر لبعضهم - عند النظرة الأولى - أن استطلاع الماضي
Retrocognition
ظاهرة لا تثير الاعتراض ممن يعترضون على العلم بما سيكون؛ لأننا نعلم حوادث التاريخ كأنها من حوادث الوقت الحاضر التي تنقل إلينا من مكان بعيد، ولأن حوادث الماضي متفق على وجودها في زمانها، ولا اتفاق على وجود ما سيكون قبل أن يكون.
لكن الحقيقة أن استطلاع الماضي واستطلاع المستقبل على حد سواء في طبيعة الملكة التي تقدر عليه؛ لأن القائلين بهذه الملكة لا يقصدون معرفة الماضي كما نعرف روايات التاريخ أو روايات الشهود، ولكنهم يقصدون أن صاحب هذه الملكة ينكشف له منظر مضى دون أن يبلغه من طريق القراء والسماع، فيشهد مثلا مجلسا من المجالس المجهولة عنده وعند غيره، ويبصر كل جالس في مكانه الذي كان فيه، ويسمع ما قالوه ولو لم تدونه الكتب وتردده أقوال الرواة.
Shafi da ba'a sani ba