Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
" سبقت رحمتي على غضبي "
، ولو كان السبق للغضب والقهر؛ لقضى إليهم أجلهم بهلاك الصورة، والمعنى يدل على هذا التأويل قوله تعالى: { فنذر الذين لا يرجون لقآءنا } [يونس: 11] أي: الذين لا يشتاقون إلى لقائنا فيسلكون طريق وصولنا على أقدام الخيرات، { في طغيانهم يعمهون } [يونس: 11] المعنى: فنذرهم بالخذلان إلى طغيان نفوسهم الأمارة بالسوء، متحيزين في دينه ضلالة النفوس؛ ليزدادوا شرا مع شرهم، فيظهر أثره فيهم بالتدريج آجلا.
وفي قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما } [يوسن: 12] أشار إلى خاصية نفس الإنسان أنها لا ترجع إلى الله طبعا إلا في مقام الحاجة الضرورية بالاضطرار في أية حالة يكون من حالاتها، { فلما كشفنا عنه ضره } [يونس: 12] أي: إذا استجبنا دعاءها وقضينا حاجتها، { مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه } [يونس: 12] عاد المشئوم إلى طبعه، فرجعت قهقري إلى خاصية أنانيتها وهي نسيان حضرتنا وكفران نعمتنا، إن الإنسان لظلوم كفار، { كذلك زين للمسرفين } [يونس: 12] أي: للمقصرين في محبتنا وطلبنا والمجاوزين عن حد محبة غيرنا وطلب ما سوانا، { ما كانوا يعملون } [يونس: 12] من الإسراف في تركنا وطلب غيرنا.
{ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا } [يونس: 13] أي: أوضعوا محبتنا وطلب لقائنا في غير موضعها من الدنيا والآخرة وما فيهما، { وجآءتهم رسلهم بالبينات } [يونس: 13] بالحجج القاطعة قالا وحالا؛ ليدلوهم بها إلى محبتنا وطلبنا، { وما كانوا ليؤمنوا } [يونس: 13] بتلك الحجج؛ ليهتدوا إلينا بنور الإيمان إذ وكلناهم إلى أنفسهم بالخذلان، { كذلك نجزي القوم المجرمين } [يونس: 13] فكلهم إلى أنفسهم بشؤم جرائمهم فهلكهم كما هلكنا القرون الماضية في متابعة أهوائهم واستغراقهم في طلب شهواتهم، { ثم جعلناكم } [يونس: 14] يا أمة محمد { خلائف في الأرض من بعدهم } [يونس: 14] أي: من إهلاكهم به يشير إلى أن لهذه الأمة اختصاصا باستحقاق الخلافة الحقيقية التي أودعها في آدم عليه السلام بقوله تعالى:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة: 30] ولهذا السر ما كان في أمة من الأمم من الخلفاء ما كان في هذه الأمة بالصورة والمعنى، { لننظر كيف تعملون } [يونس: 14] في خلافتنا، ثم اعلم أن المخالفة صورة ومعنى كما أن صورة الخلافة مبنية على الحكم بين الرغبة بالعدل والسوية وقانون الشرع والاجتناب من متابعة الهوى والطبع ، كذلك معنى الخلافة مبينة على الحكم بين الرغبة المعنوية وهي: الجوارح والأعضاء والقلب والروح والسر والنفس وصفاتها وأخلاقها والحواس الخمسة والقوى النفسانية والخلق كما كان سيرة الأنبياء - عليهم السلام - وخواص الأولياء في طلب الحق ومجانبة الباطل، وترك ما سوى الله للوصول إلى الله، وسيأتي شرحها في موضعه إن شاء الله.
[10.15-19]
ثم أخبر عن حال من خالف الخلافة وحال وافقها بقوله: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } [يونس: 15] إلى قوله: { سبحانه وتعالى عما يشركون } [يونس: 18]، { وإذا تتلى عليهم } أي: على ذوي النفس المتمردة، { آياتنا بينات } أي: القرآن المبين بحقائق الأشياء.
{ قال الذين لا يرجون لقآءنا } [يونس: 15] أي: أرباب النفوس الذين ما فيهم الشوق إلى لقاء الحق؛ لأن تشوق النفس وشوقها وهواها إلى الدنيا وزخارفها، وإن شوق الحق والصدق في طلبه من نشأة القلب وقلوب أرباب النفوس ميتة ونفوسهم حية، فلما كان في القرآن ما يوافق القلوب ويخالف النفوس ما قبلوه أرباب النفوس، وقالوا: يا محمد { ائت بقرآن غير هذآ } [يونس: 15] أي: بقرآن يوافق طباعنا وفيه ما يهوى به أنفسنا، { أو بدله } [يونس: 15] أنت كما بدلوا من اليهود والنصارى والتوراة والإنجيل أحبارهم ورهبانهم بما كانوا موافقا لهواهم فضلوا وأضلوا كثيرا، { قل } [يونس: 15] يا محمد.
{ ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي } [يونس: 15] أي: ليس اتباع أرباب النفوس، ولا اتباع هوى نفسي إلا اتباع الوحي فيما أمر به أو نهى عنه، { إني أخاف إن عصيت ربي } [يونس: 15] أي: إن خالفته لهوى غيره، { عذاب يوم عظيم } [يونس: 15] أي: عذاب يوم تجزي فيه عظام الأمور، وهي فريق في الجنة، وفريق في السعير، فلفريق سعادة القرب والمواصلة وهي أجر عظيم، ولفريق شقاوة اليد والمفارقة وهي عذاب عظيم. { قل لو شآء الله ما تلوته عليكم } [يونس: 16] أي: القرآن لأني أمي وليست التلاوة والقراءة من شأني كما كان حالي مع جبريل عليه السلام أول ما نزل فقال لي:
Page inconnue