553

Tawilat

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

Régions
Ouzbékistan
Empires & Eras
Khwarezm Shahs

ثم أخبر عن اعتراض أهل الافتراء بقوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام } [المائدة: 103]، إشارة أن الشيطان كما سلط على قوم حتى أغراهم على الابتداع في أحكام الأنعام وترك الاتباع، كذلك سلط على قوم قادر على التصرف في أنعام أجسامهم ونفوسهم مبتدعين غير متبعين وهم يزعمون أن هذه التصرفات في الله، ففي قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة } إشارة إلى أن من يتصرف في بدنه بما لم يؤمر به كمن يشق أذنه أو ينقبها، ويجعل فيها الخلقة من الحديد أو يثقب صدره أو ذكره، ويجعل عليه الغفل أو يجعل في عنقه الغل ويحلق لحيته مثل ما يفعلون هؤلاء القلندرية، ولا سائبة وهم الذين يدورون في البلاد ومنهم مسيبين، خليعي العذار يرتعون في مراتع البهيمية والحيوانية بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة، وهم يدعون أنهم أهل الحقيقة، قد لعب الشيطان بهم واتخذوا إلههم هواهم، { ولا وصيلة } [المائدة: 103] وهم الذين به يبيحون المحرمات ويستحلون الحرمات، ويتصلون بالأجانب من طريق الأخوة والأبوة كالإباحية والزنادقة، فيغتر به ويظن أنه بلغ مقام الوحدة وأنه محمي عن النقصان بكل حال، ولا تضره مخالفات الشريعة؛ إذ هو بلغ مقام الحقيقة، فهذا كله من وساوس الشيطان وهواجس النفس ما أمر الله بشيء من ذلك ولا خص لأحد فيه، { ولكن الذين كفروا } [المائدة: 103]، بترك الشريعة وادعوا الحقيقة { يفترون على الله الكذب } [المائدة: 103]، بمثل هذه الأشياء إنها من الله ولله وفي الله { وأكثرهم لا يعقلون } [المائدة: 103]، إن هذا من الشيطان لا من الرحمن، وذلك أن أكثرهم قد أخذوا هذه الطريقة المضلة بالتقليد من الجهال وأهل الضلال { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله } [المائدة: 104]، من الأحكام { وإلى الرسول } [المائدة: 104]؛ أي: وإلى متابعته { قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ } [المائدة: 104]؛ أي: مشايخنا وأهل صحبتنا الذين أخذوا هذه الطريقة السوء منهم { أولو كان آباؤهم } [المائدة: 104]، الذين وضعوا هذه الطريقة وابتدعوها { لا يعلمون شيئا } [المائدة: 104]، من الشريعة والطريقة { ولا يهتدون } [المائدة: 104]، إلى عالم الحقيقة فإنهما أهل الطبيعة وأرباب الخديعة، ولقد شاعت في الآفاق فتنتهم وكملت فيهم غرتهم، وما لهم من دافع ولا مانع ولا وازع على أن الخرق قد اتسع على الرفع.

[5.105-107]

ثم أخبر عن طريقة أهل الولاية عند استيلاء هذا البلاء بقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } [المائدة: 105]، إشارة أن في الخطاب تخصيص الطالب الصادق وهو قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } أي: إيمان الطالبين المحققين بأن الوجدان في الطلب كما قال تعالى:

" ألا من طلبني وجدني "

{ عليكم أنفسكم } فاشتغلوا بتزكيتها فإنه

قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها

[الشمس: 9-10]، فلا تشتغلوا قبل تزكيتها بتزكية نفوس الخلق، ولا تغتروا بإرادة الخلق وقبولهم وحسن ظنهم فيكم وتقربهم إليكم، فأيها الطالب اغتنم الساعة وأن مثل السالك المحتاج إلى المسلك والدين يدعي رواته ويتمسك به كمثل غريق في البحر محتاج إلى سائح كامل في ضيعته لينجيه من الغرق، فيتثبت به غريق في البحر وهو يأخذ بيديه لينجيه فيهلكان جميعا، فالواجب على الطالب المحقق أن يتمسك بدليل إرادة صاحب ولاية له في هذه الشأن مسلك كامل ويستسلم لأحكامه، ولا يلتفت إلى كثرة الهالكين فإنه لا يهلك على الله إلا هالك { لا يضركم } [المائدة: 105]، أيها الطالبون { من ضل } [المائدة: 105]، من المغرقين { إذا اهتديتم } [المائدة: 105]، إلى الحق { إلى الله مرجعكم جميعا } [المائدة: 105]، أيها الطالبون بجذبات العناية على طريق الهداية والمضلون بسلاسل القهر والخذلان على طريق، والعصيان نزلت في منذر بن عمر وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل هجر فيدعوهم إلى الإسلام، فأبوا الإسلام فوضع عليهم الجزية، فقال: لا يضركم من ضل من أهل هجر إذا إهتديتم إلى الله يعني: آمنتم بالله { فينبئكم بما كنتم تعملون } [المائدة: 105]؛ أي: فيذيقكم لذة ثواب أعمالكم، والمعنى ليس للطالب أن يلتفت في أثناء سلوكه إلى أحد من أهل الصدق والإرادة بأن يقبله ليربيه، ويغتر بأنه شيخ يقتدى به إلى أن يتم أمر سلوكه بتسليكم مسلك كامل واصل، ثم إن يرى شيخان له رتبة الشيخوخة فينتبه بإشارة الحق في مقام التربية ودعوة الخلق إلى الحق فحينئذ يجوز له أن يكون هاديا مرشدا للمريدين باحتياط وافر فقد قال تعالى:

ولكل قوم هاد

[الرعد: 7]، فأما في زماننا هذا فقد آل الأمر إلى أن من لم يكن قط مريدا يدعى الشيخوخة ويخبر بالشيخوخة الجهال والضلال من جهالته وضلالته حرصا لانتشار ذكره وشهرته وكثرة مريديه، وقد جعلوا هذا الشأن العظيم والسر الجسيم لعب الصبيان وضحكة الشيطان حتى يتوارثون كلما مات ولله منهم يجلسون ابنه مقام صغيرا كان أو كبيرا ويلبسون منه الخرقة ويتبركون به وينزلونه منازل المساعي، فهذه مصيبة قد عمت ولعل هذه طريقة قد تمت فأنذرت آثارها والله أعلم بأخبارها .

ثم أخبر عن كيفية الوصية لقوله تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } [المائدة: 106]، إشارة إن الخطاب في قوله تعالى: { يآ أيها الذين آمنوا } [المائدة: 106]، مع الروح وصفاته أن آمنتم إيمان المجتهدين في جهاد الأكبر شهادة بينكم { إذا حضر أحدكم الموت } [المائدة: 106]؛ أي: النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضات والمجاهدات { حين الوصية } [المائدة: 106]، والوصيان { اثنان ذوا عدل } [المائدة: 106]، هما العقل والسر { منكم } [المائدة: 106]؛ أي: من الروحانيات { أو آخران من غيركم } [المائدة: 106]؛ يعني: من غير الروحانيات وهما الوهم والخيال من النفسانيات فالعقل والسر يشهدان بالحق، وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات والوهم والخيال يتحملان الصدق والكذب في الشهادة { إن أنتم ضربتم في الأرض } [المائدة: 106]؛ أي: سافرتم في السفليات { فأصابتكم مصيبة الموت } [المائدة: 106]؛ أي: تصيب النفس جذبة الحق فتموت { تحبسونهما } [المائدة: 106]؛ أي: الشاهدين العقل والسر والوهم والخيال إن كنتم في بعد من الروحانيات { من بعد الصلاة } [المائدة: 106]، بعد حضور جامع الله تعالى وتوجهها إلى الحق ومراقبة ثابتة { فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى } [المائدة: 106]، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق { ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين } [المائدة: 106]، يدفعان تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يتصرفان في شيء من السفليات، ولا يميلان إلى حظ من حظوظها وإن كل خلق وصفة ذميمة ورثها القلب من النفس يجعلها خلقا محمودة وصفة حميدة؛ لأن النفس كانت تشتمل تلك الصفة في السفليات وكانت ذميمة تستعملها القلب في العلويات فتكون حميدة مثاله أن الحرص صفة من صفات النفس، وهي تستعمله في طلب الدنيا ولذاتها وشهواتها فصارت ذميمة ويستعمله القلب في طلب الآخرة والمقامات وتحصيل العلوم والظلمات فيكون محمودا وعلى هذا النفس الباقي { فإن عثر على أنهما } [المائدة: 107]؛ يعني: الوصيين من العقل والسر والوهم والخيال { استحقآ إثما } [المائدة: 107]، بأنهما قصرا في أداء حق الوصية ومالا إلى حظ من الحظوظ السفلية { فآخران يقومان مقامهما } [المائدة: 107]، يعني: مقام النصرانيين في استفاء حقوقهما { من الذين استحق عليهم الأوليان } [المائدة: 107]، وهما من صفات التذكر والتفكر الصاحب ينظر أن في عواقب الأمور، ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا، وإن الباقي خير من الفاني وذلك قوله { فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } [المائدة: 107]، لأنهما أعني الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ فيما كتما من الحقوق والتذكر والتفكر يميلان إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ { وما اعتدينآ } [المائدة: 107]، في حفظ الحقوق { إنا إذا لمن الظالمين } [المائدة: 107]، الواضعين الحظوظ في مقام الحقوق ذلك أدنى إلى الحق وأقرب.

Page inconnue